مناقشة حول استدعاء البرهان لتشرشل

عمر الدقير 

في خطابه بمناسبة ذكرى سودنة القوات المسلحة، استدعى الفريق أول عبد الفتاح البرهان ونستون تشرشل – رئيس الوزراء البريطاني الأسبق – في موضعين متصلين؛ فنسب إليه أولاً قولاً شبّه فيه من لا يتحملون الحرب بقوم موسى الذين “لا يصبرون على طعامٍ واحد”، وأنهم “يريدون الرفاهية في اللحظة التي يطلب فيها التاريخ الشجاعة”.

ولم أقف، فيما تيسّر لي من معلومات – وفوق كل ذي علمٍ عليم – على مصدر موثوق يثبت نسبة هذا القول إلى تشرشل، ولذلك أتعامل هنا مع المعنى الذي أراده البرهان، لا مع صحة نسبته التاريخية.

ثم انتقل إلى موقف تشرشل خلال الحرب، قائلاً إنه رفع شعار “لن نيأس ولن نستسلم”، ومشبِّهاً ما يتعرض له السودان اليوم بما تعرضت له بريطانيا آنذاك؛ في إشارة إلى عبارته الشهيرة: “Never give in, never give in, never, never, never”، التي قالها في خطابٍ ألقاه بمدرسة هارو في أكتوبر ١٩٤١.

وقد قرأت، بعد الفراغ من إعداد هذه المقالة، مقالاً للأستاذ بابكر فيصل تناول فيه استدعاء تشرشل من زاوية أخرى، مستخلصاً دلالات مهمة من تجربته السياسية بعد الحرب؛ أما ما أتناوله هنا فهو مدى استقامة المقارنة بين السياق البريطاني آنذاك والواقع السوداني الراهن.

وأود أن أتوقف عند هذين الاستدعاءين بمناقشة، أرجو أن يتسع لها صدر الفريق أول البرهان ومن يوافقونه؛ فهي مناقشة للفكرة وما تنهض عليه من مقارنة، لا مصادرة على حق أحد في أن يرى الحرب من الموقع الذي يقف فيه.

تفسير البرهان للدعوة لإيقاف الحرب بأنها طلبٌ للرفاهية في لحظة تستدعي الشجاعة يستحق وقفةً أولى؛ فالحرب لم تترك لكثير من السودانيين رفاهيةً يطلبونها أصلاً، بل غدا الحصول على “طعامٍ واحد” عسيراً على كثيرٍ منهم، فضلاً عن أشكال المعاناة الأخرى؛ وقد واجهوا ذلك بصبرٍ وتكافلٍ لا يحتاجان إلى شهادة. فالتطلع إلى إيقاف حربٍ أنهكت البلاد والعباد ليس قلةً في الصبر ولا نقيضاً للشجاعة، بل موقفٌ أخلاقي وإنساني يسعى إلى تخليص السودانيين من ويلاتها ووطنهم من تداعياتها. وعليه، فإن الشجاعة التي يحتاجها السودان اليوم هي شجاعة البحث عن الطريق الذي يوقف الحرب ويعالج أسبابها.

أما استدعاء تشرشل في معنى الصمود وعدم الاستسلام، فلا غضاضة فيه من حيث المبدأ؛ فالتاريخ يُستدعى بحثاً عن العبرة واستنهاضاً للهمم.

لكنَّ التاريخ قَلَّما يمنح نفسه بسخاء لمن يطلبه شاهداً؛ فالمقارنة بين لحظتين تاريخيتين لا تستقيم من دون تقاربٍ في الظروف والوقائع، وانتباهٍ إلى ما بينهما من فوارق. وهنا تبدو الفوارق أكبر من أوجه الشبه. فالاستدعاء لا يقف عند كلمات تشرشل عن الصمود، بل يستصحب معها، ولو ضمناً، مسرحاً تاريخياً كاملاً ويسقطه على الحاضر السوداني.

لكنَّ حرب السودان الحالية لم تهبط عليه من خارجه، وإنما تفجَّرت داخله كأوضح تجلٍّ لأزمة وطنية ممتدة منذ الاستقلال، ظل خلالها سؤال بناء دولةٍ تسع الجميع شاخصاً بلا إجابة. فقد تَعثَّر التوافق على عقدٍ اجتماعي جامع، وتَواصَل العجز عن إدارة التنوع، فيما طغى الحضور العسكري على معظم سنوات الحكم الوطني. وكان لنظام الإنقاذ، خلال ثلاثين عاماً، القدح المُعلَّى في تعميق هذه الأزمة، بما أرساه من تمكين حزبي وعسكرة للسياسة وإضعاف لمؤسسات الدولة، وما تفاقم في عهده من ظاهرة تعدد الجيوش وتمدد البندقية على حساب السياسة.

ومن رحم هذا المسار اندلعت الحرب الحالية؛ على خلفية خلافاتٍ تطورت إلى استقطاب حاد بين طرفين من المنظومة العسكرية الرسمية للدولة، كانا شريكين في سلطة الثورة الانتقالية قبل أن ينقلبا عليها معاً في ٢٥ أكتوبر ٢٠٢١. وتشهد على ذلك وقائع أشهرها الأولى؛ فقد وصفها البرهان بأنها “حرب عبثية” ودعا إلى إيقافها، وظل الفريق حميدتي نائباً لرئيس مجلس السيادة لأكثر من شهر بعد اندلاع القتال، كما احتفظت قوات الدعم السريع بوضعها القانوني إلى أن صدر قرار حلها وإلغاء قانونها في سبتمبر ٢٠٢٣. وظلت القوى التي تُعرف اليوم بـ “القوات المشتركة” على موقف الحياد والدعوة إلى إيقاف الحرب حتى نوفمبر من العام نفسه. ولا ينفي ذلك أن استمرار الحرب واتساعها فتحا، لاحقاً، أبواباً لتدخلات خارجية متباينة زادت مشهدها تعقيداً. لكن، عند ردِّ الأزمة السودانية والحروب التي أفرزتها – بما فيها الحرب الحالية – إلى أصولها، يتبدّى أن منشأها الأساسي داخلي، كما أن مفاتيح حلِّها كامنةٌ في هذا الداخل المأزوم.

وثمة فارق جوهري آخر: تشرشل لم يكن قائداً للجيش يحكم بريطانيا أثناء الحرب، بل كان سياسياً مدنياً على رأس حكومة مسؤولة أمام برلمان منتخب، وكان الجيش أداةً للدولة، لا مصدراً لسلطتها. أما في السودان، فنحن أمام واقع مختلف، تتصدر فيه القيادة العسكرية بنية السلطة القائمة، في غياب المؤسسات الدستورية المنتخبة أو المُتوافَق عليها.

ولعل الأجدر بالاستدعاء من تاريخ بريطانيا في عهد تشرشل ليس عبارته عن الصمود، بل طبيعة الدولة التي كان يتحدث باسمها: دولة ظلت السياسة فيها صاحبة الكلمة المعبرة عن الشعب، والجيش خاضعاً لسلطتها، وقرار الحرب والسلام من صميم مسؤولية مؤسساتها. وتلك، في جوهرها، بعض أسئلة السودان المؤجلة منذ الاستقلال: كيف نبني دولةً تحتكر السلاح ولا يحتكرها، تحكمها السياسة ولا تحكمها البندقية، وتظل تسوية التناقضات والاختلافات في مجتمعها – مهما اشتدّت – في ميادين السياسة وآلياتها الديمقراطية، لا في ميادين الحرب وغلبة السلاح؟

وأول استحقاقات ذلك هو اعتماد خيار الحلِّ السلمي التفاوضي، الذي لا يقف عند الهدنة الإنسانية – المطلوبة بإلحاح للاستجابة الإنسانية وحماية المدنيين – بل يتعداها إلى فتح الطريق لمعالجة جذور الأزمة الوطنية، بما يزيل أسباب تجدُّد الحروب – مرةً وإلى الأبد – ويؤسِّس لسلامٍ مستدام، وتحولٍ مدني ديمقراطي، وبناءٍ وطني جديد على أسسٍ مُتوافَق عليها.

Exit mobile version