تسوية مدنية بتوقيت واشنطن

أشرف عبدالعزيز

تكشف طبيعة التعاطي الأمريكي الأخير مع أزمة النزاع المسلح في السودان عن تحول استراتيجي حاسم في أولويات واشنطن، إذ يظهر جلياً عدم التعويل على المبادرات الفردية الصادرة عن طرفي النزاع العسكري، وعلى رأسها دعوة رئيس مجلس السيادة عبد الفتاح البرهان لحوار داخلي.

هذا التجاهل الأمريكي الضمني لدعوة البرهان لم يكن وليد المصادفة، بل ينطلق من قناعة راسخة لدى الإدارة الأمريكية بأن أي حوار تُشرف عليه إحدى الجهات العسكرية المباشرة في الصراع سيفقد مقومات الحياد والمصداقية، ولن يؤدي إلا إلى إعادة إنتاج الأزمة وتكريس سلطة الأمر الواقع.

بدلاً من الاستجابة لطروحات الطرف العسكري، اتجهت السياسة الأمريكية نحو فرض خطة عمل متكاملة تتصدرها رؤية مدنية وإنسانية بامتياز.

تجسد هذا التوجه في المقترح الجديد الذي طرحه المبعوث الأمريكي للسلام مسعد بولس والذي يركز في مرحلته الأولى على هدنة إنسانية لمدة تسعين يوماً، مدعومة بآلية مراقبة دولية وإقليمية حازمة، لتمهيد الطريق نحو انسحابات عسكرية وتأسيس جيش وطني موحد.

إن إصرار واشنطن على إحالة العملية السياسية برمتها إلى “قيادة مدنية شاملة” في موقع متفق عليه يُعد رسالة مباشرة للجيش وقوات الدعم السريع بأن حسم المستقبل السياسي للدولة السودانية لن يكون ببنادق القادة العسكريين، بل عبر إرادة القوى المدنية التي تمثل تطلعات الشعب السوداني بمختلف أطيافه، بمن فيهم النازحون والمهجرون.

وفي هذا السياق، تأتي الزيارة المرتقبة لرئيس الوزراء السابق عبد الله حمدوك إلى واشنطن كخطوة محورية لتأكيد الحاضنة المدنية للحل.

ترى الإدارة الأمريكية في شخصية حمدوك والقوى المدنية المحيطة به شريكاً مفتاحياً يمكن بناء الاستقرار المستقبلي عليه، بعيداً عن أطراف الحرب الذين تطالبهم واشنطن بتحمل مسؤولياتهم الإنسانية والالتزام بوقف إطلاق النار فوراً.

إن تركيز السياسة الأمريكية على ملف المساعدات الإنسانية والمسار السياسي المدني يضع الطرفين العسكريين أمام خيار واحد: إما الانصياع لمتطلبات السلام والانتقال الديمقراطي، أو مواجهة عزلة دولية متزايدة، مما يؤكد أن مستقبل السودان يجري رسمه اليوم عبر خيارات مدنية تتجاوز طموحات الطرفين المتحاربين.

Exit mobile version