مقالات

إلى أرض المك نمر في الحبشة: رحلة صمويل بيكر إلى (ماى قُبّة) ولقاؤه بـ( المك نمر الإبن)

عبد الجليل سليمان

الحلقة الأولى

بعد أن استكشف صمويل بيكر مجرى سِّتيت (Settite) حتى المضيق الذي يخترق فيه النهر السلسلة الجبلية الحبشية، اتجه جنوبًا من معسكره في غابة على ضفة ستيت يسميها العرب ديلادِلّا Delladilla، وبعد مسافة اثني عشر ميلًا بلغ نهر الرويان Royan.

كان ذلك في فبراير، وكان مجرى النهر في ذلك الفصل جافًا، مغطى بالرمال، وعرضه نحو تسعين ياردة، بينما كان منسوب الماء في موسم الفيضان يرتفع إلى أكثر من تسعة أقدام. وبعد استكشاف المنطقة، تابع بيكر عمله حتى بلغ ملتقى الرويان بسِّتيت.

دعوة من نمر

كان بيكر قد تلقى قبل ذلك دعوة ممن سمّاه مك نمر الإبن (لعله عمارة ابن الملك نمر)، وصلت إليه مصحوبة بهدية (عشرين رطلًا) من القهوة الحبشية. وكان بيكر يعرف أن أرض المك نمر الذي كان توفي عام 1846تقع بين سِّتيت وبحر سلام (Bahr Salaam)، وأن المرور فيها قد يكون صعبًا من دون موافقته؛ لذلك كان ينوي، بعد استكمال استكشاف المنطقة، أن يفي بوعده ويزوره قبل مواصلة الرحلة نحو بحر سلام.

لكن الظروف تغيرت.

غزوة مصرية جديدة

فمنذ مغادرة بيكر الأراضي المصرية كانت قوة (مصرية) كبيرة قد غزت بلاد المك نمر بأوامر من حاكم عام السودان. فما كان من نمر الابن إلاّ الانسحاب إلى الجبال كعادته، بينما دمرت القوات المصرية مركزه في ماى قبة (Mai Gubba ) وعدد من القرى التي كان يسكنها أتباعه.

كان بيكر يدرك أن هذه الأحداث ستجعل الرجل أكثر حذرًا من أي غريب يصل بلاده.

في أمبريقة (أم الشوك)

وفي 16 مارس 1862 كان بيكر في أمبريقة Ombrega ويصفها بأنها موضع على ستيت؛ و قد فسر بيكر معنى أمبريقة بــ (Mother of the thorn ) أي أُم الشوك، وأنها تقع على بعد نحو 24 ميلاً من الجِيرة (Geera) ؛ حيث نصب معسكره قرب النهر تحت أشجار التمر هندي الضخمة. وكان الجمّالة الذين جاؤوا رفقته قد أبدوا خوفًا من دخول أرض المك نمر، خشية أن تُسرق جمالهم. ورفضوا في البداية مواصلة الرحلة، بل أعلنوا استعدادهم للعودة، الأمر الذي اضطر بيكر إلى تهديدهم بإطلاق النار على أول جمل يغادر المعسكر. وفي النهاية رضخوا، وتعهد هو بأن يعوضهم إذا فقدوا جمالهم. وكان طاهر نور (الحمراني) Taher Noor مستعدًا لمرافقته، مع أنه لم يكن يملك جملًا.

بيكر في واجهة جماعة نمر

في هذه الظروف حدث أمر لم يكن بيكر يتوقعه. فقد التقى بصورة مفاجئة جماعة من رجال المك نمر كانوا خارجين في غارة.

وكان عددهم ثلاثة وعشرين رجلًا مسلحاين بالبنادق والسيوف والرماح والردوع يمتطون جمالاً، تقدم قائدهم إلى معسكر بيكر، وبعد التعارف والحديث معه واعطاءه هدية، وافق على أن يكون دليلًا لبيكر إلى مقر مك نمر، لكنه طلب من بيكر الانتظار وعدم المغادرة إلى أي مكان آخر، حتى يعود هو وجماعته من الغارة التي كانوا يزمعون شنها على مكان ما.

في 19 مارس 1862 عاد قائد جماعة المك نمر (الإبن)، كما وعد، ليكون دليلًا لبيكر.

وسجل بيكر في يومياته أنه بدأ السير عند الساعة 1:30 بعد الظهر وتوقف عند الخامسة. وكانت المسافة التي تفصلهم عن الماء نحو ثلاثين ميلًا، ولذلك كان قد سقى الحيوانات قبل الانطلاق. وعند صعودهم منحدر وادي سِتيت وجدوا أمامهم سهلًا واسعًا خصب التربة، يرتفع نحو مئتي قدم فوق مستوى النهر. وفي الطريق عثر دليل بيكر (محمد) على جمل هارب، فاستولى عليه باعتباره غنيمة مشروعة. وقد وصفه بيكر ( دليله) بأنه رجل نحيل جدًا، شديد الحيلة، رشيق كالثعبان.

وفي 20 مارس تابعوا السير. صعدوا إلى سلسلة جبلية، ثم عبروا ممرات وأودية، وهبطوا إلى منطقة خصبة كثيفة الأشجار تشبه الحدائق. ومروا عبر قرى دمرتها القوات المصرية في حملتها الأخيرة.، حتى وصلوا إلى المنطقة التي كان رجال المك نمر يقيمون فيها.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: النسخ ممنوع