مهزلة محاكمة الوقيع

فيصل محمد صالح

كتبنا أكثر من مرة عن مهازل محاكم “حرب الكرامة”؛ تلك التي لا تستبيح القوانين فقط، بل تستبيح أي قيمة للعدالة والحق في البلاد، وقدمنا نماذج لأحكام تمثل فضيحة سياسية وقانونية كاملة.

آخر هذه النماذج جاءتنا من مدينة الأبيض، التي تعيش أوضاعًا مأساوية، لكن، رغم ذلك، يتم معاقبة أبنائها المخلصين الذين لازموها ولم يختاروا الخروج، ولو فعلوا ذلك لما لامهم أحد.

أصدرت إحدى محاكم الأبيض حكمًا بسجن الدكتور الصيدلي أحمد الوقيع ست سنوات، ومصادرة أمواله، في واحدة من أغرب القضايا. يعمل الدكتور الوقيع في صناعة الزيوت، وقد تعرض، مثل غيره، لخسائر كبيرة أثناء الحرب، ومنها مصادرة قوات الدعم السريع لبعض الشاحنات المحملة بالمواد الخام التي يأتي بها من مناطق كردفان المختلفة، مما كبّده خسائر كبيرة.

في فبراير الماضي، حضر فريق من مصلحة الضرائب مطالبًا الوقيع بدفع ضرائب متراكمة عليه، بما فيها ضرائب سنوات الحرب. ودار جدال بينهم حول توقف الإنتاج خلال فترة الحرب والخسائر التي تكبّدها. تدخل في النقاش شخص كان حاضرًا معهم، واتضح أنه من جهاز الأمن الاقتصادي.

واحتدت النقاشات بينهما، فاستدعى رجل الأمن تيمًا من الجهاز، وقاموا باحتجاز الدكتور الوقيع وتفتيش هاتفه، حيث وجدوا دردشة مع أصدقاء أبدى فيها الدكتور الوقيع رأيه بضرورة إيقاف الحرب.

وهنا تغيّر مسار القضية، وتم فتح بلاغ ضده بموجب مواد كثيرة، أغلبها من قانون جرائم المعلوماتية.

تم الحكم على الدكتور الوقيع بالسجن ست سنوات لأنه قال، في محادثة خاصة مع أصدقائه، إن الحرب مدمرة ويجب إيقافها. فهذا الرأي يعتبر جريمة في قضاء “حرب الكرامة”.

ولا قيمة للجدل بأن التفتيش أصلًا باطل، وأن التيم لم يكن يحمل مذكرة تسمح له بالتفتيش، وأنه لا علاقة له بالنقاش مع تيم الضرائب.

الأكثر غرابة أن القاضي المبجل قال في حكمه إنه خفف العقوبة لأنه ثبت أن المتهم قام بدعم القوات المسلحة نقدًا وعينًا. ولا أعلم كيف سيكون الحكم لو لم يكن مخفَّفًا؛ فهل كان سيُحكم عليه بالإعدام..؟

هذا الحكم ليس استثناءً، بل هو واحد في سلسلة من الأحكام القضائية الغريبة التي صدرت خلال فترة الحرب، واشتركت كلها في مخالفتها للفطرة السليمة قبل القانون، ولروح القانون والمبادئ الدستورية.

بل إن بعض القضاة أوجدوا سوابق قضائية دون أن يكترثوا بأنها تشكل خطورة على حياة كثير من الأفراد.

تدهور أوضاع القضاء في ظل الحرب هو جزء من حالة التدهور العام في كل جوانب حياتنا وكل مؤسساتنا، وهي تعكس حجم المأساة التي نعيشها، وحجم العمل الذي ينتظر بلادنا وشعبنا بعد توقف الحرب.

Exit mobile version