بنك الخرطوم … تحديثات الحساب من إجراء مصرفي إلى أزمة وطن

الدوحة - مشاوير : تقرير - مجدي علي

حين وصلت الرسالة إلى عملاء (بنكك) في 12 أغسطس، لم تكن تحمل في ظاهرها أكثر من طلب مصرفي معتاد: تحديث البيانات شخصياً في أقرب فرع، مع تلميح بتجميد الحساب في حال عدم الاستجابة. لكن هذه الرسالة المقتضبة سرعان ما تحوّلت إلى قضية أوسع بكثير من مجرد تحديث بيانات، في بلد يعيش حرباً منذ 15 أبريل 2023، تعطّلت فيه البنية الأساسية، وتوزّع ملايين العملاء بين النزوح داخل البلاد والإقامة خارجها.

فبالنسبة لعميل يعيش في منطقة لا يعمل فيها فرع مصرفي، أو نازح لا يحمل كل مستنداته، أو مغترب يدير حسابه من خارج السودان، لم تعد عبارة “حدّث بياناتك” إجراءً بسيطاً. فبعد أن أتاحت الخدمات الرقمية إنجاز معظم المعاملات عبر الهاتف، أعاد هذا الإجراء العميل فجأة إلى الفرع، في وقت فرضت فيه الحرب قيوداً واسعة على الوصول إلى الخدمات المصرفية وأحياناً إلى المدن. وهنا تكمن المفارقة الأعمق: مصرف وسّع حضوره الرقمي على مدى سنوات، عاد يطلب من عملائه الحضور الشخصي لإنجاز إجراء أساسي.

قرار في واقع غير طبيعي

نعم، المسألة في أصلها ليست مبادرة منفردة من بنك الخرطوم، بل جاءت تنفيذاً لتوجيه صادر عن بنك السودان المركزي بشأن تحديث بيانات العملاء وتصنيف حساباتهم، تماشياً مع الضوابط الرقابية الدولية لمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب. تُرجم هذا التوجيه لاحقاً إلى منشور رسمي صدر من ابنك في 30 يوليو، حدّد مهلة لاستكمال الإجراءات، مع التلويح بتجميد أي حساب لا يستجيب صاحبه لطلب التحديث.

من الناحية المصرفية البحتة، لا يمثل هذا استثناءً؛ فالتحقّق من هوية العملاء ومصادر دخلهم جزء أساسي من متطلبات “اعرف عميلك” المعمول بها عالمياً. لكن المشكلة في السودان لم تكن يوماً في مبدأ التحديث، بل في مدى ملاءمة آلية تنفيذه لواقع حرب عطّلت فروعاً بأكملها، وغيّرت أماكن إقامة العملاء جذرياً، وعقّدت الوصول إلى الوثائق والخدمات الحكومية.

في اليوم التالي للرسالة، أصدر بنك الخرطوم توضيحاً حدّد فيه أن المطلوب هو مراجعة بيانات العنوان ووسائل الاتصال والبريد الإلكتروني ومصدر الدخل، وأن الأمر يخص الحسابات المفتوحة قبل عام 2025، وأن التحديث يتم مجاناً عبر الفروع والمراكز المخصصة. كما أعلن البنك أنه يعمل على ترتيبات خاصة لعملائه بالخارج عبر قنوات ستُعلن لاحقاً، وحذّر من روابط وصفحات مزيفة تستغل الحاجة إلى التحديث. لكن هذا التوضيح، رغم أهميته، لم يُلغِ السؤال الذي فرض نفسه بإلحاح: كيف ينفّذ شخص بعيد عن الفروع إجراءً يتطلب حضوره الشخصي؟

كلفة التنفيذ

جاءت ردود الأفعال سريعاً لتكشف الفجوة بين نيّة القرار وواقع تطبيقه، وتفاوتت حدتها بحسب الجغرافيا والفئة الاجتماعية. ففي الخرطوم، شهدت فروع البنك، ومنها فرع 13 تحديداً، ازدحاماً شديداً وطوابير منذ الصباح الباكر رغم عدم تحديد موعد رسمي للاستقبال. تكرّر المشهد في الدبة بالولاية الشمالية وفي ولاية نهر النيل، فيما وثّقت مبادرة أهلية في الحصاحيصا حالة من “التزاحم والعشوائية والتكدّس الشديد”، وطالبت بإيقاف شرط الحضور الشخصي ومراعاة كبار السن والنساء.

في مناطق أخرى، لم تكن المشكلة ازدحاماً يمكن تنظيمه، بل غياب الخدمة نفسها. ففي محلية الدندر، اشتكى مواطنون من توقّف الفرع الوحيد المتاح لهم، ما دفعهم للمطالبة بتوفير كوادر متنقّلة. وفي دارفور وكردفان، ارتبطت المشكلة بصعوبة الوصول أصلاً إلى الفروع، مع مطالبات بتوفير بدائل لعملاء قد يضطرون لقطع مئات الكيلومترات من أجل إجراء يمكن إتاحته إلكترونياً.

وفي الفاشر، اتخذ النقد منحى سياسياً حين ربطت تنسيقية لجان المقاومة بين إجراءات التحديث وأزمات متزامنة كانقطاع الكهرباء وانهيار الجنيه، معتبرة أن التزامن يعكس “سياسات ضغط ممنهجة”، وهو توصيف يعكس مستوى التوتّر وفقدان الثقة المحيط بالمؤسّسات خلال الحرب.

وعلى مستوى العملاء أنفسهم، تحدّث بعضهم عن الانتظار منذ الفجر حتى إغلاق الاستمارات ظهراً، وعن محدودية عدد الطلبات التي تستقبلها بعض الفروع يومياً، فيما كشفت إفادات أخرى عن ربط بعض عمليات السحب بشرط التحديث المسبق. وكان النازحون من أكثر الفئات تعرّضاً للعائق، إذ لا يستطيع كثير منهم الوصول إلى فرع قريب من أماكن نزوحهم، وفقد بعضهم مستندات هويته أثناء التهجير نفسه.

أما المغتربون، فتلقوا تطمينات متكرّرة من البنك، كان آخرها دعوة لعدم القلق وانتظار الإعلان عن الآلية، دون تحديد وسيلة تنفيذ واضحة حتى ذلك الحين، سواء عبر السفارات أو التطبيق أو شركاء في دول الإقامة، ما أبقى هذه الشريحة في حالة انتظار فعلي رغم الطمأنة اللفظية المتكرّرة.

وفي الوقت نفسه، نقل النشطاء والمدونون النقاش من شكاوى فردية إلى قضية عامة، مستندين إلى مقارنة بين نحو 60 فرعاً عاملاً وأكثر من 10 ملايين تحميل لتطبيق (بنكك)، إلى جانب دعوات لمقاطعة البنك ومطالبات من لجان المقاومة بتأجيل الإجراء أو رقمنته بالكامل.

هذه الأرقام تقديرية وغير رسمية، ولا تعني أن جميع مستخدمي التطبيق مطالبون بالتحديث فعلياً، لكنها سلّطت الضوء على سؤال جوهري: هل القدرة الاستيعابية للفروع تتناسب أصلاً مع حجم قاعدة العملاء؟

علاقة متوتّرة

مشاهد الطوابير لم تكن مجرد أزمة ازدحام عابرة؛ فقد أعادت إلى الواجهة علاقة أوسع بين البنك وعملائه، تشكّلت على مدى سنوات من الاعتماد المتزايد على الخدمات الرقمية. أصبح (بنكك) الوسيلة الأساسية لإدارة الأموال والتحويلات لدى كثيرين، في وقت تراجعت فيه قدرة الفروع على أداء دورها التقليدي. وفي المقابل، راكم العملاء خلال السنوات الماضية شكاوى متكرّرة بشأن الخدمة الإلكترونية نفسها، من تعطل التطبيق إلى تأخّر بعض التحويلات وصعوبة معالجة المشكلات بسرعة. لذلك لم يُستقبل تحديث البيانات كإجراء منفصل، بل جاء فوق تجارب سابقة كوّنت حساسية تجاه الخدمة المصرفية، في ظرف أصبحت فيه قدرة العميل على الوصول للفرع أضعف من أي وقت مضى.

أمام هذا الضغط المتصاعد، تحرّكت الجهات الرسمية بشكل متدرج: تمديد من البنك المركزي حتى نهاية 2026، وتمديد مماثل من بنك الخرطوم حتى 31 ديسمبر، مع الإشارة إلى العمل على استخدام الهوية الرقمية (سوداباس) لتمكين التحقّق والتحديث إلكترونياً دون زيارة الفروع، لعملاء الداخل والخارج على حد سواء. لكن الحل لا يزال في مرحلة الترتيبات؛ إذ أوضحت الوزارة المعنية أن الربط سيتم تدريجياً وفق الجاهزية الفنية لكل بنك، وحتى الآن لم يُعلن بنك الخرطوم جدولاً زمنياً محدداً لتفعيله. وفي المقابل، قدّم بنك أم درمان الوطني نموذجاً انتقالياً بإتاحة تعبئة الاستمارة إلكترونياً ثم تسليمها ميدانياً، ليثبت أن حلولاً وسطى كانت ممكنة إلى حين اكتمال المنظومة الرقمية الوطنية.

اختبار العلاقة

لا تكشف أزمة تحديث بيانات بنك الخرطوم رفضاً لمبدأ التحديث نفسه، ولا تجعل المتطلبات الرقابية غير ضرورية. ما تكشفه هو صعوبة تطبيق قاعدة مصرفية صحيحة في بيئة غير طبيعية، تغيّر فيها مكان العميل، وتعطّلت الفروع، وفقد كثيرون وثائقهم، وأصبح الهاتف نافذتهم الوحيدة تقريباً إلى النظام المالي. فالتمديد يمنح الوقت، و(سوداباس) يطرح المسار التقني، لكن الاختبار الحقيقي يبقى في تحويل هذا المسار إلى خدمة فعلية تصل إلى العميل حيث يوجد، لا أن تظل مجرد وعد معلّق.

في السودان اليوم، لا ينبغي أن يكون الوصول إلى الفرع شرطاً للوصول إلى المال؛ فالمطلوب ليس تجاوز القواعد المصرفية، بل تطوير أدواتها بحيث يستطيع المواطن الالتزام بها دون أن تتحوّل الحرب أو النزوح أو الاغتراب إلى عائق جديد أمام علاقته بحسابه المصرفي.

ويبقى السؤال الأخير ليس فقط: كم حساباً جرى تحديثه؟ بل: هل يستطيع بنك الخرطوم أن يجعل التكنولوجيا وسيلة للوصول إلى العميل أينما كان، أم سيظل العميل هو المطالب دائماً بالوصول إلى البنك؟

Exit mobile version