رحيل جعفر خضر .. المعلّم الذي لم تُقعده الإعاقة عن الميدان
القضارف - مشاوير
رحل صباح اليوم الأحد 23 أغسطس 2026 بمدينة القضارف، الأستاذ جعفر خضر الحسن الفكي، المعلّم والناشط المدني والسياسي، وأحد الوجوه التي ارتبط اسمها بالحراك الشعبي والعمل الثقافي والدفاع عن الحرّيات والحقوق في السودان.
وُلد جعفر خضر في أبريل 1970 بمنطقة البركل شمال السودان، وانتقلت أسرته لاحقاً إلى القضارف، حيث تلقى تعليمه الأولي والوسطي والثانوي. التحق بجامعة الخرطوم، وبدأ دراسته بكلية العلوم، قبل أن ينتقل إلى كلية الدراسات الاقتصادية والاجتماعية، قسم المحاسبة، التي تخرج فيها عام 1996.
كانت سنوات الجامعة نقطة مبكرة في تشكّل وعيه السياسي؛ وانتمى خلالها إلى (حركة الطلاب المحايدين)، وانخرط في النشاط المناهض لمضايقات الأجهزة الأمنية. وشكّل مقتل زميله الطالب طارق محمد إبراهيم برصاص الشرطة محطة مؤثّرة في مسيرته، دفعته إلى تكريس جانب كبير من نشاطه لمقاومة نظام الإنقاذ والدفاع عن الحريات.
وفي القضارف، اتخذ نشاطه بعداً ثقافياً ومدنياً مع إسهامه في تأسيس منتدى (شروق) الثقافي عام 2007. وتحوّل المنتدى إلى مساحة للحوار والنقاش حول القضايا الثقافية والاجتماعية والسياسية، واحتضن ندوات وفعاليات تناولت الديمقراطية والمرأة والشباب والفساد وقضايا المجتمع، في ظل محاولات متكررة للتضييق على أنشطته.
إلى جانب ذلك، ارتبط اسمه بالتعليم، إذ عمل معلّماً لمادة الرياضيات في القضارف، وحظي بمكانة خاصة لدى طلابه، الذين عرفوه معلّماً قريباً منهم، واشتهر بينهم بلقب (أستاذ الأجيال). وظل التعليم بالنسبة إليه امتداداً لفكرة أوسع عن بناء الوعي، لا مجرد مهنة.
وعلى الرغم من إعاقته الحركية، لم يبتعد جعفر خضر عن المجال العام، إذ كان يتحرّك على كرسيه المتحرّك ويشارك في الفعاليات والمواكب، لتصبح صورته وسط المحتجين واحدة من العلامات اللافتة في المشهد الاحتجاجي بالقضارف. كما جعل من تجربته الشخصية مدخلاً للدفاع عن حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، والمطالبة بدمجهم وضمان حقوقهم وكرامتهم.
ومع اندلاع الاحتجاجات التي قادت إلى ثورة ديسمبر، برز جعفر خضر بوصفه أحد الوجوه المعروفة في الحراك بمدينة القضارف، وشارك في قيادة المواكب السلمية. وقد منح حضوره في الشارع، رغم إعاقته، تجربته بعداً رمزياً تجاوز حدود النشاط السياسي إلى التعبير عن الإرادة والقدرة على المشاركة.
ولم تمر مواقفه من دون كلفة؛ فقد تعرّض خلال عهد النظام السابق للاعتقال والملاحقة والتضييق بسبب نشاطه السياسي والمدني، وارتبط اسمه بعدد من المواجهات مع الأجهزة الأمنية. كما تعرّض منتدى (شروق) الذي كان أحد أبرز رموزه للمنع والتضييق في مناسبات مختلفة.
وبعد اندلاع الحرب في أبريل 2023، اتخذ جعفر خضر موقفاً مؤيّداً للقوات المسلحة السودانية، وهو موقف وضعه في مسافة مختلفة عن قطاعات من القوى المدنية والسياسية.
وواصل نشاطه العام من هذا الموقع، مشاركاً في حملات شعبية طالبت بتصنيف قوات الدعم السريع جماعة إرهابية.
امتدت تجربة جعفر خضر بين المدرسة والمنتدى والشارع، وظل فيها حاضراً بوصفه معلّماً وناشطاً ومدافعاً عن قضايا رأى أنها تتصل مباشرة بكرامة الإنسان وحقّه في الحرية والمشاركة. وفي القضارف، التي ارتبط بها معظم حياته، ترك أثراً تجاوز حدود مهنته ونشاطه السياسي إلى أجيال من الطلاب ورفاق العمل المدني والثقافي.
برحيله، يغيب وجه بارز من وجوه الحراك المدني في القضارف، ومعلّم ارتبط اسمه بطلابه، وناشط جعل من حضوره في المجال العام موقفاً مستمراً. وتبقى صورته على كرسيه المتحرّك وسط المواكب اختصاراً لمسيرة واجه فيها الإعاقة والملاحقة والقيود بإصرار على البقاء في الميدان.