ثقافــة

غاب صاحب اللون (خزامي).. وترك السودان حيّاً في اللوحة

الدوحة - مشاوير : مجدي علي

ليس سهلاً أن تُحكى سيرة فنان بالرثاء المعتاد؛ فالفنان ليس حياة عابرة، بل أثر يبقى في أعماله وذاكرة الناس.. وحين رحل الفنان التشكيلي محمد فضل، مساء الاثنين الماضي 24 أغسطس 2026، في القاهرة، لم تغب يد عن المرسم فحسب، بل غابت عين كانت ترى السودان في تفاصيل حياته اليومية، وتحوّل العابر في لوحاته إلى ذاكرة خالدة.

ولد محمد فضل مصطفى أحمد الشهير بـ(خزامي)، في بربر في الأول من يناير 1968، ونشأ في بيئة سودانية غنيّة باللون والتفاصيل، قبل أن يلتحق بكلية الفنون الجميلة والتطبيقية بجامعة السودان للعلوم والتكنولوجيا، متخصّصاً في الرسم والتلوين الزيتي. مارس التدريس الأكاديمي، ونقل خبرته إلى أجيال من الفنانين، واتسعت تجربته خارج السودان لتصل إلى الصين، حيث لفتت أعماله الزيتية الانتباه.

لكن هذه المحطّات، على أهميتها، لا تكفي وحدها لتفسير محمد فضل؛ فالسيرة تقول أين مضى الفنان، بينما تقول اللوحة لماذا بقي.

الوجه الذي يفتح على بلد

كان يمكن لمحمد فضل أن يرسم الوجه باعتباره تمريناً في التشخيص، وأن يتوقّف عند حدود الشبه؛ لكنه اختار طريقاً آخر. الوجه عنده لم يكن نهاية اللوحة، بل بدايتها. خلف العينين تاريخ، وفي التجاعيد زمن، وفي طريقة ارتداء العمامة أو الثوب طبقة من حياة اجتماعية. لذلك لا تبدو شخصياته معزولة عن محيطها؛ حتى حين يضيق إطار اللوحة على وجه واحد، يبقى خلفه مجتمع كامل.

هنا تتضح قيمة ما يمكن تسميته أنثروبولوجيا اللون والناس في تجربته. لم يكن يذهب إلى التنوّع السوداني بحثاً عن غرابة بصرية، بل يتعامل معه بوصفه حقيقة يومية وجوهرية في تكوين البلاد؛ وجوه متعدّدة، أزياء مختلفة، درجات لونية متباينة، تتحوّل في أعماله إلى لغة بصرية تقول إن السودان لا يمكن اختصاره في ملامح واحدة.

ةلهذا فإن بورتريهاته لا تستمد قوتها من مهارة رسم الملامح وحدها، بل من كونها تمنح الإنسان العادي مكاناً في الصورة، وتعيد إليه حضوره الذي قد تسلبه منه الحياة اليومية.

كان قريباً من الشارع، ومن بساطة الحياة، يلتقط الملابس الشعبية وحركة الناس وبعض مظاهر الحياة اليومية، ويعيد تقديمها لا باعتبارها فولكلوراً جامداً، بل حياة نابضة. ولذلك تحمل أعماله قيمة توثيقية لا تأتي من قصد تسجيل التاريخ، وإنما من صدق الفنان في النظر إلى زمانه. كان يرسم الحاضر، لكنه كان يصنع للمستقبل ذاكرة عنه.

الضوء والظل واللون

لم يكن ينسخ ما تراه العين. كانت واقعيته أقرب إلى واقعية تعبيرية إنسانية؛ يأخذ الواقع من نقطة البداية ثم يعيد بناءه باللون والضوء والإحساس، فلا تبدو لوحاته صوراً فوتوغرافية مهما بلغت دقّة ملامحها. ومن هنا تأتي علاقته اللافتة بالضوء والظل، وبما يعرف في تاريخ الفن بتقنية “الكياروسكورو”. لم يكن التباين بينهما عنده مجرّد مهارة لإبراز حجم الوجه، بل جزءاً من الدراما الداخلية للشخصية؛ يترك الضوء شيئاً مكشوفاً، ويحتفظ الظل بشيء آخر، وبين الاثنين تتشكّل شخصية لا تقدّم نفسها كاملة من النظرة الأولى. ولعل هذا ما جعل وجوهه تبدو أحياناً وكأنها تفكّر في صمت.

أما اللون، فهو الحكاية الأعمق في تجربته. كان يعرف أن البشرة ليست درجة واحدة، وأن الضوء يغيّرها، وأن البيئة لا تسكن خلف الإنسان فقط، بل تظهر في وجهه أيضاً. لذلك جاءت ألوانه حارّة وغنيّة، تستدعي التراب والشمس والأقمشة والبيئة السودانية، من البنيّات والأصفر إلى الأحمر الدافئ. لم يكن اللون عنده يملأ الفراغ؛ كان يصنع المعنى. كان ملوّناً قبل أن يكون رساماً للموضوع، يرى اللون لغة قائمة بذاتها؛ الأحمر حرارة، والأصفر ضوءاً، والبني امتداداً للأرض، والظل ليس غياباً للون بل لون آخر للحياة.

السودان يسافر في لوحاته

حين خرجت أعماله إلى الصين، لم يكن يحمل معه مجرّد لوحات لعرضها في قاعات بعيدة، بل صورة لبلد كامل، دون أن يحوّلها إلى خطاب دعائي. في جامعة تسنغواي ببكين عام 2015، وفي معارض أخرى من بينها معرض (الشمس الساطعة)، كان المتلقي الصيني يواجه السودان من خلال الإنسان؛ العمامة، والثوب، والوجوه، واللون، وحركة الحياة اليومية، كانت تقول من أين جاء هذا الفنان دون حاجة إلى شرح طويل. وبذلك أصبح حضوره في الصين امتداداً لمشروعه الأساسي: الإنسان أولاً، فاللوحة التي تنطلق من محلّيتها تستطيع أن تصل إلى الآخر حين تكون واضحة في إنسانيتها.

ولم يكن هذا الحضور منفصلاً عن تجربته الأكاديمية؛ فالفنان الذي علّم طلابه الرسم والتلوين لم ينقل تقنية فقط، بل طريقة في النظر، وحوّل المعرفة الفنية إلى أثر يتناسل في أجيال أخرى.

ولهذا كان رحيله موجعاً للوسط التشكيلي السوداني على أكثر من مستوى؛ فالساحة لا تفقد صاحب أعمال فحسب، بل تفقد معلماً وزميلاً وصديقاً، وصاحب تجربة ظلّت مشدودة إلى الإنسان السوداني وإلى الشارع والتراث.

شهد أصدقاء محمد فضل بأنه فنان أحب اللون، وجسّد نبض الشارع، وحوّل الإنسان والمكان والتراث إلى ذاكرة بصرية نابضة، وظلّت له بصمة تشكيلية لا تخطئها العين. ورأوا في رحيله فقداً لفنان أصيل ومعلّم وزميل، ترك وراءه أعمالاً تحفظ شيئاً من ملامح السودان وأهله، وتؤكّد أن أثر الفنان لا ينتهي بغيابه.

حين ننظر إلى أعمال خزامي اليوم، لا نرى وجوهاً فحسب، بل نرى زمناً كان يمضي أمامه فاختار أن يوقف بعضه على القماش؛ نرى السودان في تعدّده وأزيائه وبشرته وحرارة ألوانه، وذلك التوتر الجميل بين الضوء والظل. لهذا لا يبدو رحيله مجرد خاتمة لسيرة فنان، بل لحظة نعيد فيها اكتشاف قيمة ما تركه. فالفنان الذي كان يرسم الوجوه لم يكن يرسم أفراداً فقط، بل فكرة الإنسان السوداني، والذي كان يرسم اللون لم يكن يبحث عن الزينة، بل عن روح المكان.

رحل محمد فضل (خزامي) في القاهرة، ونُصب سرادق عزائه في سوبا الحلّة، لكن القاهرة لم تكن المحطة الأخيرة لفنه؛ فمحطته الحقيقية تلك المساحة التي تركها مفتوحة في ذاكرة السودان، من الوجوه والألوان والضوء والظل، ومن الإنسان الذي ظل طوال تجربته مركز اللوحة. وربما يكون هذا عزاء الفنانين في رحيل أحدهم: أن اللوحة لا تعرف القبر. غاب محمد فضل، لكن السودان الذي رآه بعينيه ما زال حاضراً في لوحاته، بما حفظته من وجوه الناس وتفاصيل حياتهم والمكان.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: النسخ ممنوع