علَّمتني الأيام أن هذه الحرب حربان: حربٌ دمَّرت ما حولي من أسبابٍ للحياة، وحربٌ ضروسٌ أخرى ظلَّت تجري وقائعُها داخل نفسي، بين كرٍّ وفرّ.
تعلَّمت منها أن الإنسان ليس مجردَ جسدٍ يعبرُ المسافةَ بين ولادتين، ولا نفسًا تعدُّ أنفاسَها حتى تبلغَ آخرَ نبضٍ لها في الحياة.
علَّمتني أن الوجود الحقيقي هو سفرٌ من ظاهر الأشياء إلى باطنها، ومن ضيق الأسباب إلى سعة مُسبِّبها، ومن الأرض التي تُثقِل الخطى إلى السماء التي تُعيد توازن الأشياء وترتيبها.
علَّمتني أن أكثرَ ما يُتعبنا هو نسيانُنا لأسرار هندستنا الداخلية؛ فانحنينا لهذا الطرف أو ذاك، حيث كان ينبغي لنا أن نستقيم، وتعلَّقنا بمخلوقين مثلنا، فيما كان يجب علينا أن نشهد الحق، أيًّا كان ثمنُه غاليًا.
ومن هنا بدأ هذا الخلل الكبير: أن نمشي على هذه الأرض، بعد أن انكسر في داخلنا عمودٌ وبوصلةٌ كان ينبغي أن ترشدنا وتشدَّنا نحو الخير والحق والجمال.
وللحقيقة، ليس معنى هذا الاستواء أن تستقيم قامتُنا وحدها، بل أن تستقيم قلوبُنا ساعةَ أن مالت بها رياح هذه الحرب.
وألَّا نهرول فقط بين الأقوياء، لنجعل من بعضهم أربابًا صغارًا نسترضيهم، أو نخشاهم، أو أن نجعل منهم محورًا لهذا الوجود البائس الذي نعيشه اليوم.
عمومًا، اكتشفتُ وقتَ أن استيقظ في قلبي سرٌّ آخر دفين، أن طعم هذه الحرب قد تغيَّر على لساني، ثم تغيَّر لونُها ورائحتُها.
حيث لم تعد أحداثُها حُجُبًا، وإنما مرايا، ولم يعد الخلق بالنسبة لي كلُّهم سواء، بل إن بعضهم قد أضحى علاماتٍ مضيئة، علَّمتني كيف يكون الإنسان مفتاحًا للخير، مغلاقًا للشر، من أي جهة جاء.
منهم من يُحسن إلى إنسانٍ آخر لا يعرفه، ولا ينتظر منه جزاءً؛ لأنهم لم يكونوا، في الحقيقة، يتعاملون مع أيدٍ تتلقى عطاياهم، وإنما مع الذي جعل هذه الأيدي أيديًا.
كان هناك من يعطي ولا يُحصي ما أعطى، ومن يغفر ولا يفتح سجلاتٍ لهذا الغفران، ومن يصنع الخير ثم يمضي كأنه لم يفعل شيئًا.
وهناك من قد تحرَّر فعلُه من انتظار التصفيق، ليتحوَّل عملُه كلُّه إلى تسبيح؛ فتغدو به الحركةُ في الأرض كلها ذكرًا، ويصبح صمتُه مناجاة، ويصير إحسانُه طريقًا لا يحتاج إلى دليلٍ أو شاهد.
لكنَّ مثل هذا الشهود لا يكتمل حتى نكون مع الله كأننا نراه، أو ندرك، على الأقل، أنه يرانا ولا يغيب عنا، ولو لبرهةٍ قليلة.
فهو سبحانه الذي يعلم خائنةَ الأعين وما تُخفي الصدور، ويعلم حتى سقوطَ ورقةٍ صغيرة في غابةٍ متشابكةٍ كثيفة، لا يراها بالضرورة أحد.
في البدء قد يخيفنا نوعُ هذا العلم الرباني بحد ذاته؛ إذ أين يختبئ الإنسان حينها، إذا كان الذي يعلم الظاهر والباطن لا يغيب عنه خاطرٌ واحد؟ ثم، عندما يهدأ هذا الخوف رويدًا رويدًا، نكتشف أن عين العلم التي لا تغفل، هي ذاتها عين اللطف التي لا تترك.
وأن الذي يعلم ارتباكَ سريرتنا، يعلم أيضًا الوجعَ الذي ننطوي عليه بدواخلنا، وإن لم نستطع أن نقوله.
يعلم دمعتنا قبل أن تنزل، ونوايانا قبل أن تصير أفعالًا، وانكساراتنا قبل أن يراها أحد.
فتتحول إحاطته تعالى بنا من خوفٍ إلى أمان، ولنكتشف أن أجمل ما في معية الله أننا لا نحتاج معها إلى بطاقات لجوء، ولا الي مخابئ سرية.
ومن هنا تبدأ هندسة الاستواء: أن نستقيم رأسيًّا؛ لتنتصب أرواحنا، فلا تنحني لشهوة، ولا تركع لمخلوق، ولا تجعل لمن على الأرض كلهم سلطانًا على نفخة الرب التي هي سر السماء فينا.
ثم أن نستقيم أفقيًّا، لنعرف طريقنا، فلا نلتوي عن الحق، ولا نناور في الصدق، كي لا نمشي إلى غاياتنا بقدمٍ تعرف الطريق، وقلبٍ يُضمر غيره.
ذلك هو الفرق بين أن تمشي مُكبًّا على وجهك، وأن تمشي سويًّا على صراطٍ مستقيم، كما تقول الآية.
الأولى أن تستوي قائمًا في ذاتك، والثانية أن يستقيم قصدك واتجاهك.
وبالطبع، عندما يجتمع الاستواء بالاستقامة، يحدث شيء لا تراه الأعين، وإن كانت تحسُّ وتشعر به النفوس:
لتتغير هيئة الإنسان، فلا يعود ظهره منحنياً صالحًا للركوب.
إذ إن الذي استقام لله لا يجد المتطاول فيه موضعًا لامتطائه، ولا يجد المستلب فيه موضعًا لاغتصاب إرادته.
فالظهر يُركب حين ينحني صاحبه، أما من استقام بالله، فسيمشي في الأرض هونًا، متخففًا من الغم والهم، مثقلًا بمعاني الحياة العميقة، مستغنيًا عمَّن سوى الله.
وعندها لا تكون الحرية أن تفعل ما تشاء، إنما الحرية الأعمق هي ألَّا يملكك أي شيء: لا مدح الناس، ولا ذمهم، ولا خوفهم، ولا رجاء ما عندهم من مالٍ وجاهٍ وسلطانٍ وبنادق، ولا الخسارة، ولا حتى الانتصار.
أن تمشي بجسدك على الأرض، بينما قلبك معلَّق بالملكوت.
أن تكون بين الخلق دون أن تكون لهم، ومع الأشياء دون أن تكون عبدًا لها.
وحينها فقط يستوي الإنسان، لا لأن العالم استقام حوله، ولكن لأنه قد استقام من داخله.
وبالطبع، إذا استقام الداخل، خفَّ اضطراب الخارج، وإذا استقام القلب، استقامت الخطى، وإذا استقامت الخطى، صار الطريق نفسه آيةً من آيات الله.
هنا هي النقطة التي يلتقي فيها الاستواء بالاستقامة، والفكر بالشعور، والظاهر بالباطن، والعبد بربه، ليكتشف الإنسان أنه لم يكن يبحث طوال هذا الطريق عن الله، وإنما كان يبحث عن موضعه الصحيح في حضرة الله.
ولعل هذا هو درس الحرب الأعمق:
أنها لا تسألنا فقط كيف ننجو منها، ولا كيف ننتصر فيها، وإنما تسألنا سؤالًا أشد عمقًا:
حين تنتهي الحرب، بأيِّ إنسانٍ نريد أن نخرج منها؟
فلعل النصر الحقيقي ليس أن يستقيم العالم من حولنا، إنما أن يستقيم فينا ما كان ينبغي له أن يستقيم.
وذلك هو الاستواء الذي يمليه علينا، جميعًا، امتحان هذه الحرب.