عن التربة التي تقتل الإبداع

عمر الدقير

استوقفني، قبل عدة أيام، مقال للأستاذة رشا عوض عن “التصحر الإبداعي في الحركة الإسلامية”، وأقَدِّر لها أنها أثارت ما رأته ظاهرة، واجتهدت في استقصاء أسبابها بما يفتح باباً لنقاشٍ أوسع. ورغم أن ظروفاً حالت دون التعليق على المقال في حينه، فإن السؤال الذي طرحه ظل جديراً بالعودة إليه؛ لأنه يتجاوز تجربة الحركة الإسلامية إلى سؤالٍ أوسع: لماذا تزدهر الفنون والآداب في بعض البيئات الفكرية، بينما تذبل في أخرى؟

التاريخ الإنساني حافل بأدباء وفنانين انطلقوا من مرجعيات فكرية متباينة، بل ومتعارضة أحياناً، ومع ذلك أنتجوا أعمالاً تجاوزت انتماءاتهم إلى الضمير الإنساني. ولم يكن السر في أنهم تخلوا عن قناعاتهم، وإنما في أنهم لم يسمحوا لها أن تحجب عنهم الإنسان.

العمل الأدبي أو الفني لا ينشأ من الإجابات المُعلَّبة، وإنما من الدهشة وحيوية الأسئلة وتجددها؛ وقبل ذلك، من الاعتراف بأن الإنسان أكبر من أية فكرة تُحمَل عنه. فهو أكثر تناقضاً من أن يُختزل في تعريف، وأكثر ثراءً من أن يُحاصَر في نموذج، وأشد غموضاً من أن تستنفده إجابة واحدة. ولهذا كانت الفنون والآداب، في جوهرها، محاولة لفهم الإنسان واكتشافه؛ وهي إذ تسهم في تشكيل الوجدان في مجتمعٍ ما، تفعل ذلك بتوسيع أفق الرؤية وتعميق فهم الإنسان لذاته وعلاقته بالآخر وبكل ما حوله، لا بإخضاعه لنموذج مقرر سلفاً.

تزدهر الفنون والآداب في المساحة التي تتركها الأسئلة مفتوحة، وفي الأفق الذي لا تختزل فيه الإجاباتُ الجاهزة تعقيدَ التجربة الإنسانية، بينما تفقد شيئاً من روحها وتذبل في مناخ الاستبداد الذي تُقيَّد فيه حرية التعبير وتُصادر الكتب وتُحجب الصحف عن الصدور، ويُساق المبدعون وكُتَّاب الرأي إلى أقفاص المحاكم أو إلى المعتقلات دون محاكمة. فالمبدع لا يحتاج إلى الموهبة وحدها، بل يحتاج أيضاً إلى فضاءٍ يسمح له بأن يسأل، ويجرّب، ويشك، ويخطئ، ويغامر دون أن يخشى العقاب.

وتكشف حكايةٌ تُروى عن جوزيف غوبلز – وزير الدعاية والتنوير العام في ألمانيا النازية – وجهاً من العلاقة بين الاستبداد والإبداع؛ إذ قُدِّم إليه طلب من أحد الناشرين للتصديق على طباعة ديوان شعري يضم قصائد حب، فقرَّر الموافقة على طباعة نسختين فقط: واحدة للشاعر والثانية لحبيبته؛ معتبراً أن الشعب لا شأن له بعلاقة الحب بينهما .. وهذا القرار – على طرافته وقتامته – اختصار بليغ لمنطق الاستبداد؛ فهو لا يكتفي بأن يقرر للناس ما يجوز لهم قوله، بل يريد أن يقرر لهم حتى ما يحق لهم أن يشعروا به.

في السودان، غلب على مشروع الحركة الإسلامية الانشغال بالنموذج الذي ينبغي أن يكون عليه الإنسان، أكثر من الانشغال بالإنسان كما هو؛ بتعقيده، وأسئلته، وتناقضاته، وآلامه وأحلامه. وانعكس ذلك على نظرتها إلى الأدب والفن، اللذين كثيراً ما نُظِر إليهما بوصفهما وسيلةً للتوجيه والتعبئة، أكثر من كونهما مجالاً حراً لاكتشاف الإنسان في ذاته وفي الآخر؛ وهو ما جعل البيئة الفكرية والتنظيمية داخل الحركة أقل قدرة على احتضان إبداع حر يتجاوز الوظيفة التعبوية والتوجيهية المرسومة له. ولم يقتصر أثر هذه الرؤية على تصورها للإنسان، بل امتد إلى تصورها للوطن؛ إذ جرى التعامل معه بوصفه فضاءً لتطبيق الفكرة، لا قيمةً قائمة بذاتها.

ولا يعني ذلك أن الحركة الإسلامية افتقرت إلى أصحاب المواهب الإبداعية؛ فالموهبة مثل البذرة، قد توجد في أي بيئة، لكنها لا تثمر إلا في تربة تسمح لها بالنمو في اتجاهها الطبيعي. وحين تكون قيمة العمل الإبداعي مرهونة بمدى خدمته لتصور مسبق أو انتصاره لمشروع سلطوي، فإنه يغدو محض خطاب مزخرف في خدمة ذلك التصور أو تلك السلطة.

وليست هذه سمة خاصة بالحركة الإسلامية وحدها؛ فكل منظومة فكرية أو سياسية تزعم احتكار الحقيقة، وتنكر مشروعية التمايز والاختلاف، ولا تفسح للفنون والآداب ما تحتاجه من حرية الخيال والتأمل والتساؤل، لا تُضيِّق فضاء الحرية فقط، بل تُضيِّق أفق الرؤية أيضاً؛ وحينئذ يذبل الإبداع .. ولعل الروائي التشيكي ميلان كونديرا لامس هذه الخلاصة – في كتابه “فن الرواية” – حين اعتبر أن حكمة اللايقين هي اليقين الوحيد للرواية.

شكراً للأستاذة رشا عوض على إثارة السؤال الذي كان مُحَفِّزاً لهذه المساهمة المتأخرة.

Exit mobile version