أن تُبصر وطنك من بعيد : في سيرة الإعلامية والمخرجة ليلى إبراهيم

الدوحة - مشاوير : مجدي علي

للغربة، في الوجدان الجمعي، حضورٌ ملتبس؛ إذ اعتاد الخطاب الشائع أن يرسمها جرحاً لا يندمل، ونقمةً يحملها المهاجر كصليب على كتفيه أينما حلّ. غير أن هذه الصورة ليست الحقيقة الوحيدة؛ فثمّة من تبتلعه المسافة، وتنهش العزلة فيه ما تبقى من ذاكرة الوطن، فيغدو غريباً عن نفسه قبل أن يكون غريباً عن الديار، وثمة من تمنحه الغربة نافذةً على إمكانات لم تكن لتُتاح له لو ظلّ حبيس الجغرافيا الأولى.. وتجربة الإعلامية والمخرجة السودانية ليلى إبراهيم تنتمي إلى صورة النافذة هذه؛ فحياتها الجديدة في المهجر أصبحت ورشةً اختبرت فيها أدواتها، وفتحت أمامها أبواباً ظلّت موصدة في وطنها الأول، من دون أن تكون قطيعةً مع الجذور؛ بل كلما اتسعت آفاق تجربتها، اتسعت معها قدرتها على حمل إبداعها إلى فضاءات أرحب.

من هذا الأفق المتداخل يمكن أن نقرأ سيرتها؛ لا بوصفها حكاية هجرة اختُتمت بنجاح عابر، بل بوصفها نصّاً مهنياً مؤرَّخاً بدقّة، كتبته امرأة سودانية بأناة صائغ يعيد تشكيل معدنه محطةً بعد محطة.. من شاشة تلفزيونية محلية، إلى ميكروفون إذاعي في قلب لندن، إلى كاميرا وثائقية تستنطق ذاكرة السودان وتاريخه الكوشي الغابر.

من (زول) إلى لندن

في مطلع الألفية، ومع بواكير انطلاق قناة (زول الفضائية) السودانية، أطلّت ليلى إبراهيم من خلف الشاشة الصغيرة مذيعةً تقدّم حزمة من البرامج الحوارية والمنوّعة، تناقش هموم المجتمع وقضاياه.. كانت تلك التجربة أشبه بمشتل أول تُغرس فيه بذرة الموهبة، محدودةَ المساحة كما كانت طبيعة الإعلام المحلّي حينها، لكنها كافية لتكشف عن صوتٍ إعلامي يعرف كيف يُنصت قبل أن يتكلم، وكيف يجمع الجمهور حول قضاياه قبل أن تُطفئ القناة أنوارها.

لكن النقلة حدثت حين حطّت رحالها في العاصمة البريطانية لندن عام 2011، لم تصل مثقلةً بالفراغ، بل حاملةً زاداً من الخبرة التلفزيونية، لتنسج به مرحلة جديدة من مسيرتها. وفي العام نفسه، بدأت مسيرتها في الصحافة الإذاعية الدولية، والتحقت بالعمل في هيئة الإذاعة البريطانية (BBC).

وفي يناير 2016، أطلقت مشروعها الإعلامي الخاص، وتولّت إدارة إذاعة (ريناس) الإلكترونية، التي كانت تبث آنذاك عبر منصّة تابعة لشركة تدير آلاف الإذاعات الرقمية حول العالم. وهناك، من خلف الميكروفون، اختارت أن تبث الأغنيات والرموز، فبثت أعمال مصطفى سيد أحمد ومحمود عبد العزيز، سعياً لتعريف العالم بوطنها، ولإبقاء المغتربين موصولين بجاليتهم في الخارج.

لم يكن اسم (ريناس) اختياراً عابراً يُلقى على عجل؛ بل جاء استلهاماً من الملكة الكوشية أماني ريناس، في إشارة مبكّرة، وربما نبوءة غير مقصودة، إلى انشغال سيستمر بالتاريخ السوداني القديم عبر مسيرتها اللاحقة. لم تكن الإذاعة إذن مجرد جهاز إرسال يبث موجات، بل محاولة لحياكة جسر خفي بين السودانيين في المهجر وذاكرتهم اليومية؛ فكانت الثقافة هناك صلةً لا فاصلاً، ووسيلةً تُضعف من قدرة الغربة على اقتلاع الإنسان من جذوره.

ومع مرور الوقت، بدأت هذه العلاقة بالحكاية تتحول شكلاً ومضموناً؛ فالإعلامي، مهما بلغت براعته، ينقل القصة كما هي، بينما تمنح السينما مساحة أرحب لإعادة بنائها بصرياً وإنسانياً، وتحويلها من خبر عابر إلى أثر باقٍ. من هذه النقطة بالذات، تحوّلت رحلتها نحو الإخراج والإنتاج إلى امتداد طبيعي لتجربتها الصحفية والإذاعية، لا قطيعة معها، بل تتويجاً لها.

العودة إلى المدرسة!

لم يتوقّف طموح ليلى عند حدود الخبرة الميدانية المتراكمة؛ فقد اختارت، بعد سنوات طويلة من العمل الإعلامي، أن تعود إلى مقاعد الدراسة، إيماناً منها بأن الموهبة، مهما اشتد سطوعها، تحتاج إلى معرفة تُهذّبها وأدوات تصقلها. نالت درجة الماجستير في فن الإخراج السينمائي من جامعة الفنون بلندن بعد أن ظفرت بمنحة، فأضافت إلى خبراتها معرفة أكاديمية متخصصة تُحكم صنعتها.

لم تكن الهجرة وحدها صانعة هذا التحوّل؛ فقد منحته فضاءً فحسب، بينما كان التعليم والصبر والعمل الدؤوب هي الأدوات التي حوّلت هذا الفضاء المتاح إلى مسار مهني متكامل الملامح.

علامات مضيئة

وبعد التخرّج، انتقلت ليلى إلى العمل منتجةً ومخرجةً للأفلام الوثائقية، وكرّست خبرتها الأكاديمية والمهنية لصياغة أعمال تُضيء الظروف والتجارب الإنسانية، وتروي حكايات المجتمع السوداني بتنوّع ثقافاته. جاء فيلمها القصير

الأول 4.5) أمتار) (meters 4.5) ليتّخذ من الثوب السوداني بوابةً إلى حكاية أعمق من الملبس ذاته، متشابكة مع التحوّلات السياسية التي عصفت بالسودان خلال ثورة ديسمبر 2018. حظي الفيلم بحضور في مهرجانات دولية امتدت من تركيا إلى إنجلترا وكندا وكرواتيا وليتوانيا، واختير في تسعة مهرجانات، وفاز بجائزتي الشهر والعام في فانكوفر بكندا، وترشّح في مهرجان (غولدن غيت).

أما فيلمها (صائد الغاز المسيل للدموع) (The Tear Gas Hunter)، وهو مشروع تخرّجها لنيل الماجستير، فقد اقترب أكثر من جراح الوطن، متناولاً دور الناشطات السودانيات في انتفاضة ديسمبر 2018، مستمداً عنوانه من عبوات الغاز المسيل للدموع التي واجهتها النساء في الشارع. وقد أتاحت لها خلفيتها الصحفية اقتراباً خاصاً من تجارب الفتيات وما كابدنّه من اعتقال وعنف خلال الثورة، فحوّلت هذه الشهادات المؤلمة إلى مادة وثائقية تُنصّب المرأة في قلب المشهد لا على هامشه. حصد الفيلم تسع عشرة جائزة، من بينها جائزة مهرجان الفيلم الإفريقي في كان عن أفضل سيناريو. وتختزل ليلى فلسفتها في صناعة هذا العمل بثلاث كلمات مكثّفة: الشجاعة، والحرية، والعدالة.

ثلاث وعشرون جائزة عالمية، حصدها فيلمان اثنان، هو رقم وصفته هي في إحدى المقابلات الصحفية معها بأنه يجعلها “سيدة سينما المرأة السودانية بلا شك”.

لكن اللافت في مسيرة ليلى أن الجوائز لم تكن محطة النهاية، بل بوابةً لموقع جديد؛ فقد بدأت ليلى الانتقال تدريجياً من كرسي المتنافسة إلى مقعد المحكِّمة، بدعوة من السيناريست محمد الباسوسي، رئيس مهرجان الفردقة السينمائي للشباب، للانضمام إلى لجنة تحكيم الأفلام الطويلة، وهي تجربة رأت فيها ليلى فرصة مزدوجة: أن تمنح جيلاً جديداً من السينمائيين خلاصة خبرتها، وأن تتعلّم بدورها من الأساتذة الذين ستلتقي بهم. وامتداداً للمسار، اختارتها الدورة الخامسة التي تُختتم بحفل توزيع الجوائز بلندن يوم 8 نوفمبر 2026 ضمن لجنة تحكيم جوائز الفيلم البريطاني القصير.

من التوثيق إلى كوش

ولا تكتفي تجربة ليلى بتوثيق الأحداث القريبة، بل تمتد لتستعيد التاريخ السوداني القديم، عبر مشروعها الجديد عن الكنداكة أماني ريناس، التي حكمت المملكة الكوشية قبل نحو أربعمئة عام من الميلاد، وارتبط عهدها بمقاومة عنيدة للتوسّع الروماني. المشروع، وهو فيلم رسوم متحرّكة طويل بتقنية الأبعاد الثلاثية، من إنتاج شركتها (كوشيات للإنتاج الإعلامي) بالمملكة المتحدة، بالتعاون مع شركة (أريال) في القاهرة، وبدعم من شركة بلجيكية شريكة، ويسير حالياً بوتيرة متأنية تفرضها طبيعة هذا النوع المعقّد من الصناعة السينمائية.

اللافت أن اسم (ريناس)، الذي وُلد عام 2016 عنواناً لمشروعها الإذاعي الأول في لندن، يعود بعد سنوات ليهاجر بدوره من الإذاعة إلى السينما، وكأن الدائرة تكتمل: مشروع إذاعي بدأ محاولةً لوصل السودانيين بتاريخهم، يتحوّل إلى مشروع سينمائي يقدّم هذا التاريخ ذاته لجمهور أوسع وأجيال جديدة، في تداخل يكشف أن حضور السودان في تجربتها ليس موسمياً يأتي ويذهب، بل خيط ذهبي ممتد عبر مراحل عملها كافة.

توّجت ليلى خلال مسيرتها بجائزة (Women of Heart Awards 2025) في لندن، ضمن فئة الصحافة وصناعة الأفلام. غير أن قيمة هذه الجوائز لا تكمن في بريق أسمائها، بل في المسار الطويل الذي تختزنه خلفها؛ فكل تكريم يأتي بعد سنوات من العمل والتعلّم، من دون أن تتخلى صاحبته عن سؤال واحد ظل يرافقها كظلها: كيف يمكن للحكاية السودانية أن تصل إلى الآخر من دون أن تفقد نكهتها الخاصة؟ وتنظر ليلى إلى كل تكريم بوصفه مساحة لإيصال أصوات وقضايا إنسانية لا تحظى دائماً بالاهتمام الكافي، خصوصاً ما يتصل بالنساء والأطفال والنازحين.

الغربة تعيد تعريف الوطن

المفارقة الأعمق في تجربة ليلى إبراهيم أن المسافة الجغرافية لم تُضعف علاقتها بالسودان، بل أعادت صياغتها من جديد: حضر الثوب في الفيلم، وحضرت المرأة في قلب الحكاية، وحضرت الأغنية عبر (ريناس)، وحضرت الثورة في السينما، وحضر التاريخ الكوشي في مشروع الأنيميشن. وكأنها كلما ابتعدت جغرافياً عن السودان، ازدادت اقتراباً منه في الجوهر والمعنى.

تجربة ليلى تكتسب وهجاً إضافياً في لحظة راهنة ارتبط فيها السودان، في كثير من التغطيات الدولية، بالحرب والأزمة والنزوح. أعمالها لا تتجاهل هذا الألم السوداني، لكنها ترفض أن يكون الصورة الوحيدة الممكنة؛ ففي أعمالها امرأة تقاوم، وثقافة تبحث عن طريق إلى أبنائها في المهجر، وثوب يحمل بين خيوطه ذاكرة أمة، وثورة تستعيد حضور النساء في صدارة المشهد، وتاريخ كوشي تمنحه السينما نبضاً جديداً.

وبهذا المعنى، تتحوّل السينما في يدها إلى فعل من أفعال المقاومة الثقافية: مقاومة اختزال السودان في أزمته الراهنة، ومحاولة دؤوبة لاستعادة حق بلد بأكمله في أن يُرى من أكثر من زاوية.

أحياناً تمنح المسافة الإنسان بصيرة جديدة يرى بها المكان الذي جاء منه، وقدرةً على تقديمه للآخرين بلغة يفهمونها ويتذوقونها. وإذا كان نجاح ليلى المهني قد منحها مكاناً بارزاً في صناعة السينما، فإن ما يمنح تجربتها معناها الأعمق أنها لم تضع السودان خارج مشروعها يوماً، بل حملته معها في الصوت والصورة والحكاية.

Exit mobile version