مقالات

ماذا لو أن المؤسسة العسكرية انقضت على الحركة الإسلامية في السودان والتهمتها؟

عبدالباقي مختار (بقة)

 افتراضات للحوار

خططت الحركة الإسلامية لعقود طويلة لكيفية اختراق الجيش، إلا أن المعادلة انقلبت لتصبح المؤسسة العسكرية هي المسيطرة على مصير الحركة وليس العكس.

اختار ضباط الحركة الإسلامية الانتماء للمؤسسة العسكرية على الانتماء للتنظيم الذي قام بتربيتهم وأوصلهم للسلطة.

انقلاب 1999 كان أكثر من مجرد صراع على النفوذ والسلطة، بل كان جهاز كشف لجوهر الصراع بين العسكر والمدنيين وأطماع المؤسسة العسكرية.

تيارات الحركة الإسلامية التي اصطدمت بطموحات ضباط المؤسسة العسكرية، اكتشفت الخطأ في تحالفهم مع الجيش من أجل الوصول للسلطة، لذا خرجت وتحالفت مع القوى المعارضة للنظام السابق.. وكان واضحاً أنه تحول فكري أكثر من أنه مناورة سياسية.

أعتقد أنه قد آن الأوان لقوى التغيير مراجعة فرضيتها القائلة بأن الجيش كان ضحية للحركة الإسلامية، والانفتاح على سيناريو آخر.

إن المشكلة السودانية في ظاهرها ليست حصرية على طرف واحد، بل هي تشابك عضوي واعتماد متبادل بين الحركة الإسلامية والمؤسسة العسكرية في السودان، حيث تداخلت مصالحتهما لدرجة أصبحتا مثل التوأم السيامي من الصعب الفصل بينهما، أو للفصل بينهما لابد من التدخل جراحياً، بإجراء عملية جراحية دقيقة جداً.

كما أن علاقة الحركة الإسلامية بالجيش ليست تحالفاً عابراً، أو فرضته ظروف معينة، بل نتيجة عقود من التخطيط. منذ قبل وبعد انقلاب 1989، عملت الحركة على اختراق مؤسسات الدولة بعمق، وعلى رأسها الجيش والأجهزة الأمنية، مما جعل ولاء العديد من كبار ضباط الحركة الإسلامية داخل المؤسسة العسكرية لبرنامج الحركة.

لكن ماذا حدث للحركة الإسلامية، أو ما هي محصلة نتيجة محاولتها للسيطرة على المؤسسة العسكرية؟.

في إطار مشروعها الاستراتيجي للاستئثار بالسلطة وإعادة برمجة الدولة وفق مشروعها الآيديولوجي، لم تقف الحركة الإسلامية عند حدود العمل السياسي العلني، بل اتخذت طريقين؛ الأول، التسلل إلى المؤسسة العسكرية عبر إلحاق كوادرها بالكلية الحربية، مستفيدة من علاقاتها بضباط الجيش المنتمين لها، وهم من الذين قادوا انقلاب 1989. الثاني، تمكين هذه الكوادر تدريجياً في المناصب القيادية، لجعل الولاء والطاعة الكاملة للتنظيم أسبقية على الولاء للمؤسسة. وهكذا، حاولت الحركة إنتاج نموذجها في “التمكين” في المؤسسة العسكرية، تماماً كما فعلت مع مؤسسات الخدمة المدنية والقضاء والإعلام والمؤسسات المدنية الأخرى، لتحول الدولة إلى حاضنة لسلطة تقوم على الاختراق التنظيمي وعلى الولاء عبر سياسة التمكين وليس الكفاءة.

غير أن النتيجة التي أسفر عنها هذا التداخل لم تكن سيطرة الحركة على الجيش، بل على العكس تماماً، كدأب المؤسسة العسكرية ومناهج تربيتها، إذ سرعان ما التهمت المؤسسة العسكرية كوادر الحركة، فأصبح ولاء هؤلاء الضباط للجيش كمؤسسة سلطة وقوة، لا للتنظيم كمرجعية آيديولوجية.

وتجلى هذا التحول بشكل واضح في انقلاب الضباط الأعضاء في الحركة الإسلامية على قياداتهم المدنية، حيث فضّلوا البقاء في دائرة النفوذ العسكري على الالتزام بأوامر التنظيم.

وهكذا، انعكست المعادلة: لم تعد الحركة الإسلامية هي التي تُسَيِّر الجيش، بل أصبح الجيش – ممثَّلاً في كوادر التنظيم المنخرطة فيه – هو المتحكم في مصير الحركة نفسها، لتنحصر السلطة الفعلية في يد هذه النخبة العسكرية التي تنتسب للتنظيم شكلاً وتتبع المؤسسة مضموناً.

يبقى السؤال الأعمق، الذي لا يفرض نفسه على الواقع الراهن فقط، بل يكشف عن جوهر الأزمة السياسية في السودان: هل الهدف هو التخلص من سيطرة المؤسسة العسكرية على التنظيم السياسي؟، أم تحرير الجيش من هيمنة الحركة الإسلامية؟.

هذا السؤال لبرهة يمكن أن ننظر اليه كتمرين ذهني، لكن يمكن أن يكون هو مفتاحاً لفتح مسار آخر للتحول الديمقراطي في البلاد، ومعرفة ما إذا كانت المعركة تدور حول إصلاح هيكلي أم صراع على النفوذ.

الحركة الإسلامية، التي تحولت لتيارات متعددة خلال مسيرتها منذ لحظة انقلابها على الحكم المدني مروراً بصراعها الداخلي ومع المؤسسة العسكرية مما أنتج رؤى عديدة ومختلفة داخلها خاصة بعد أن ظهرت الهيمنة العسكرية عليها وعلى المشهد السياسي، تلك التيارات التي اكتشفت عبر مراحل مختلفة خطأ الركوب على ظهر المؤسسة العسكرية من أجل الوصول للسلطة وعبّرت عن مواقفها بطرق متنوعة، منذ العام 1999، وهو العام الذي مثَّل منعطفاً حاسماً في العلاقة بين الجيش والحركة، حيث طفح للعلن التوتر بين رؤية العسكر والمدنيين من الحركة الإسلامية، لتدور الدائرة على التنظيم وتنتهي بتصفية داخلية واعتقالات طالت أبرز قيادات الحركة الذين رفضوا الخضوع للمنطق العسكري، وزج بهم في السجون مراراً وتكراراً مع كل محاولة لاستعادة ضبط توازن السلطة.

ولم تقف مقاومتهم لسيطرة المؤسسة عند الصراع الداخلي، بل امتدت لتشمل تحالفات سياسية واسعة، حيث دخلت في شراكات مع تنظيمات معارضة لنظام الإنقاذ -كالحركة الشعبية في جنيف في العام 2001، وصولاً إلى قوى الإجماع الوطني، في خطوة تعكس إدراكهم خطأ التحالف مع المؤسسة العسكرية، وبأن سيطرة العسكر ستعيق أي إصلاح سياسي حقيقي، ويحول دون تحقيق أي نوع من العدالة وبناء دولة المؤسسات، وهو ما جعل هذه التحالفات اختباراً حقيقياً لمدى قدرة الفرقاء على تجاوز خلافاتهم التاريخية في مواجهة خطر مشترك.

واليوم، ومع تعقيد المشهد السياسي وتشابك مصالح الأطراف المحلية والإقليمية، يعود السؤال ليطرح نفسه من جديد، لكنه هذه المرة الإجابة عنه لن تحدد فقط ملامح المرحلة القادمة، بل ستكشف عن ما إذا كانت الأولوية هي لإنهاء حالة الانقلاب على الديمقراطية، أم لإعادة تعريف العلاقة بين السياسي والعسكري بما يضمن استقرار البلاد، ويحقق طموحات شعب يبحث عن دولة مدنية تحترم التعددية وتكرس مبادئ الحرية والعدالة.

عبر التجربة المريرة وصلنا إلى أن أي مشروع للتحوُّل الديمقراطي الحقيقي، لا يمكن أن يُبنى على هشاشة التحالفات مع المؤسسة العسكرية، مهما كانت دوافع الأطراف المدنية.

فالتجارب التاريخية، محلياً وإقليمياً، تؤكد أن الانخراط في شراكة سياسية مع الجيش، تحت ذريعة تنفيذ برنامج حزبي – سواء كان ذا مرجعية يسارية أو يمينية، أو حتى تحالف كل القوى المدنية كما حدث في كل الثورات الشعبية – هو أشبه بعقد صفقة مع الشيطان، تنتهي حتماً بانقلاب تدريجي أو مفاجئ، يستأثر فيه العسكر بالسلطة المطلقة، وتنتهي بإقصاء كل الأطراف المدنية التي تحالفات معهم وحاولت أن تمارس دورها وفق برنامج التنظيم المدني.

عندها، لا تقف الإضرار على ما هو سياسي فقط، بل تزحف لتمزق البنية الحزبية نفسها، فسرعان ما يتشقق الحزب أو التحالف -الحزب الشيوعي او الحركة الإسلامية مثالاً، أو التحالف المدني كالحرية والتغيير – إلى تيارين متصارعين، كما حدث في مايو وتكرر في فترة الإنقاذ وداخل الحرية والتغيير بعد ثورة ديسمبر؛ تيار يحاول جاهداً أن يعمل وفق ثوابت برنامجه السياسي الفكري، ويصر على استقلالية القرار الحزبي أو التحالف المدني، ويرى في السلطة وسيلة لتحقيق مشروعه السياسي الاجتماعي الاقتصادي الذي على ضوئه قام التنظيم، وتيار آخر يدفعه الطموح الفردي أو الجماعي، فيحول الوصول للسلطة إلى غاية في حد ذاتها.

هذا التيار الأخير، هو الذي تترصده المؤسسة العسكرية، فتختاره ليكون هو الغطاء المدني ووجه الشرعية للحكم، بينما تظل هي الخلفية التي تتحكم في كل الخيوط وتفاصيل القرار. وعندما ينهار هذا النظام الهش، بسبب عجزه عن تلبية طموحات الشعوب السودانية، لا يكون الجيش هو المسؤول الأول في نظر الرأي العام، بل يتم إلقاء كل الفشل والإخفاق على ذلك التيار الحزبي أو التحالف المدني الذي تم استخدامه، فيصبح هو كبش الفداء الذي يدفع الثمن نيابة عن الانقلاب العسكري.

في إطار المساعي الجارية للوصول إلى اتفاق شامل ينهي الأزمة السودانية، أصبح لزاماً على القوى المدنية والديمقراطية (بمكوناتها السياسية والمجتمعية) إعادة قراءة المشهد من زاوية أخرى مغايرة، تتجاوز الفكرة التقليدية التي طالما اختزلت الأزمة أو صورت المؤسسة العسكرية ضحية للحركة الإسلامية في محاولة لمساعدتها على التحرر من براثنها.

لكن، ماذا لو أعدنا قراءة المشهد واتضح العكس تماماً، بحيث تكون الحركة الإسلامية نفسها ضحية لمؤامرات العسكر، على غرار ما تعرض له الحزب الشيوعي خلال فترة حكم مايو؟.

لماذا لا نفتح الفضاء على أسئلة حقيقية، بدلاً عن إعادة إنتاج الأزمة والسعي لخطب ود المؤسسة العسكرية لإصلاح ما دمرته المؤسسة العسكرية نفسها ككل مرة؟.

لماذا لا تنفتح قوى التغيير على حوارات جادة وشفافة مع تيارات الحركة الإسلامية الرافضة للهيمنة العسكرية؟ حوارات لا تقف عند حدود نقد الماضي، بل تمتد لمطالبتها باعتذار رسمي وصريح للشعب السوداني عن ممارسات حقبة النظام السابق، والاعتراف العلني بالأخطاء التي لحقت بالوطن والمواطن جراء انقلاب عام 1989.

كما يمكن الانتقال من الطابع الاستعراضي إلى تفاهمات عملية تهدف إلى تحرير كافة التنظيمات السياسية – بما فيها الحركة الإسلامية – من قبضة المؤسسة العسكرية وفصلها نهائياً عن العمل السياسي وإبعاد الجيش عن الحياة العامة، عبر جدول زمني واضح لإعادة بناء جيش وطني مهني وموحد، يخضع للقانون ويؤدي دوره الدستوري الحصري في حماية الحدود والسيادة، دون أي تدخل في الشأن السياسي أو محاباة لأي طرف؟.

على أن يتم إلحاق المسار السياسي بآليات رقابة مجتمعية ومحاسبة نزيهة تضمن عدم تكرار أي تدخل عسكري في المستقبل، وتمنع تحويل أي تنظيم سياسي – مهما كان – إلى ورقة في مؤامرات المؤسسة العسكرية، على نحو ما جرى في السابق.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: النسخ ممنوع