يمثل التطور الأخير المتمثل في ترحيب مفوضية الاتحاد الإفريقي بمبادرة الحوار الداخلي تحولاً مفصلياً تعكس أبعاده عمق الشقاق بين المنظومة القارية وأغلب القوى السياسية والمدنية المناهضة للحرب.
فبينما تحاول المؤسسات الإقليمية تسويق هذا الموقف باعتباره خطوة لتسهيل الحوار وترسيخ ملكية أصحاب المصلحة للحل للوصول إلى استقرار ديمقراطي، يقرأ الشارع السياسي هذا الترحيب باعتباره انحيازاً صريحاً لطرف عسكري ومحاولة لإسباغ المشروعية على سلطة فرضتها ظروف الصراع المسلح.
إن الإشكالية الهيكلية لا تكمن في مبدأ الحوار بحد ذاته، بل في البيئة والآليات التي يُراد تغليفها بشرعية إقليمية، حيث إن انعقاد أي مسار سياسي بإشراف أطراف غير محايدة وفي مناطق سيطرة حصرية يفرغ فكرة الشمولية من مضمونها ويحول الحوار إلى مجرد مسرحية لاستعادة الشرعية المفقودة.
تتجلى الخطورة في هذا التحول الإقليمي في تجاوزه للقرارات والمواثيق القارية الصارمة التي قضت بتجميد العضوية عقب التحولات غير الدستورية، مما يضع مصداقية آليات الوساطة واللجان التفاوضية على المحك.
إن التماشي مع مبادرات أحادية تشكلها سلطة الأمر الواقع يعطي إنذاراً مبكراً بترسيخ واقع التقسيم الجغرافي والسياسي للبلاد، خاصة مع تجدد ظهور مراكز نفوذ عسكرية وسياسية متعددة.
هذا النهج يبعث برسائل سالبة تفيد بأن موازين القوة الميدانية يمكن أن تتحول إلى كروت مكاسب سياسية، وهو ما ينسف حياد الوساطة ويحولها من جبهة محايدة لرأب الصدع إلى جزء من الأزمة عبر تزويد أحد الطرفين بغطاء خارجي يطيل أمد المواجهات.
على المستوى الإجرائي والميداني، أدى هذا الترحيب إلى تفكيك فرص الوصول إلى عملية سياسية جامعة تتأسس على إرادة شعبية حقيقية.
إن الإصرار على خوض نقاشات ترتيبات الحكم وتهيئة المناخ السياسي قبل تحقيق وقف فوري وشامل للعدائيات وتأمين مسارات الإغاثة الإنسانية يمثل مقلباً للأولويات؛ فالعملية السياسية التي تُبنى في ظل الترهيب والنزوح المتصاعد تفتقر إلى الحد الأدنى من المصداقية والضمانات.
كما أن القوى المدنية والتحالفات الثورية ترى في فتح الباب لمشاركة واجهات النظام البائد ورموزه إعادة تمكين قسري لفلول الشمولية، مما يتناقض كلياً مع تطلعات الحراك الشعبي والسعي لتأسيس حكم مدني خالص.
يضع هذا الارتباك المشهد أمام سيناريوهات قاتمة تتزايد فيها حالة الاستقطاب الداخلي وتتحدد معالمها بتعميق الفجوة بين تيار يسعى لتوظيف غطاء التسهيل الإقليمي لفرض أمر واقع، وتيار عريض متمسك باستعادة المسار المدني عبر ترتيبات انتقالية متدرجة تحت مظلة مستقلة.
إن محاولة قفز الوساطة القارية فوق الشروط الأساسية للحوار الجاد يفقدها القبول كطرف ميسر، ويحول المشهد إلى حالة من الانسداد السياسي الكلي، حيث يتكرس الانقسام الجغرافي بين مناطق النفوذ المتصارعة، ويصبح السلام المستدام بعيد المنال، طالما استمر الاستهتار بضرورة توفير البيئة المستقلة والحياد الشامل كشرطين لا بديل عنهما لإنقاذ البلاد من التفتت.