قبل أن نسأل السودان: متى تنتهي الحرب؟ ومَن يغلب مَن؟ ومِن أين يأتي الفرج؟
ربما كان علينا أن نسأل سؤالًا أعمق: هل نعرف أصلًا كيف يأتي الفرج؟ ثمة قصة في القرآن، من أعجب القصص وأكثرها إلهاماً، لا تعلّمنا فقط كيف ينجو الإنسان من بطش الطغيان، وإنما تعلّمنا شيئًا أخطر: أن الله قد يدبّر النجاة بطريقة تبدو، في أعين الناس، أقرب إلى العجز منها إلى الفعل.
كان فتية القصة قلةً آمنت بربها، فزادهم ربهم هدى، لكن حين ضاقت عليهم الأرض بما رحبت، لم يكن بين أيديهم جيش، ولا دولة، ولا ميزان قوة يستطيعون به مقارعة ملك ظالم.
لم يكن أمامهم سوي كهف صغير لاذوا به، ثم قالوا: ﴿رَبَّنَا آتِنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا﴾، لم يطلبوا خطةً سياسية، لم يطلبوا جيشًا، ولم يطلبوا انقلابًا في موازين القوة.
فقط، طلبوا رحمةً، وطلبوا أن يُهيِّئ الله لهم من أمرهم رشدًا، ثم حدث ما لا يخطر على بال.
ناموا، نعم.. ناموا جميعاً.
رغم أن الإنسان بطبعه عندما يخاف يظن أن النجاة هي في أقصى درجات اليقظة، فإذا بالتدبير الإلهي يجعل النوم نفسه أنجع وسيلة نجاة.
ناموا بينما كان الزمن يعمل لصالحهم، ناموا بينما كانت الدول تتبدل، ناموا بينما كان الطغيان الذي فروا منه يذوي بعيدًا عنهم، ناموا حتى ما ظنوه ملجأً مؤقتًا صار جسرًا عبروه لقرون.
ثم بعثهم الله من مرقدهم، ومن هنا يبدأ الدرس الأكبر؛ لم يكن الفتية يعرفون أن النوم الذي حسبوه توقفًا عن الحياة، كان في علم الله، استمرارًا لهذه الحياة بطريقة أخرى.
لم يكونوا يعرفون أن ما بدا لهم انقطاعًا عن التاريخ، كان في الحقيقة عبورًا إلى تاريخ خالد ليس ثمة مثله، ولم يكونوا يعرفون أن الكهف الذي دخلوه فرارًا من العالم سيخرجون منه، بعد أكثر من ثلاثة قرون، ليصبحوا هم أنفسهم شاهداً ودليلًا على انكسار ذلك العالم.
وهنا، ربما، تكمن إشارة السودان.
فهذا البلد الذي ظل طويلًا في هامش الضوء، مع أنه كان يومًا في قلب الحضارة، قد يبدو في عين الناظر إليه اليوم كأنه يعيش في سنوات كهفه الخاص.
كوش التي كانت ذات يوم قوة عظمى في سجلات التاريخ، صارت أثرًا تتنازعه الرمال، ومروي التي كانت ذات يوم قلبًا صناعيًا نابضًا في العالم بأسره، أصبحت صمتًا حجريًا يحرس أسرار الأزمنة.
ثم توالت القرون، وتوارى السودان عن صدارته التي كانت مستحقة للمشهد العالمي، حتى كاد العالم ينسى حالياً أن تحت هذا التراب أمةً كانت تحمل ذاكرةً أقدم من كثير من الخرائط التي تتعامل معها السياسة اليوم بوصفها حقائق أبدية.
لكن، هل كل خفوتٍ هو موت؟ وهل كل غيابٍ عقاب؟ وهل كل كهفٍ هو قبر؟ أم أن بعض الكهوف هي أرحامُ بعثٍ وميلاد؟ ذلك هو السؤال الذي يستحق أن نطرحه الآن.
إذ ربما كان السودان، طوال مراحل كثيرة، يعيش شيئًا من عبقرية الكمون.
وبالطبع ليس كل كمون ضعفًا، فقد يكون في الكمون ادخار لجواهر نادرة يُرجي الا تُسترخص في أسواق العابرين.
وقد تُحفظ بين طياته خصالٌ لا تزال مخبوءة في الشخصية السودانية: منها، النخوة حين يشتد البلاء بالناس، والنجدة لو سقط بينهم غريب، والتصوف حين تضيق النفوس عن ترجمة الرحمة إلى فعل وسلوك، والسماحة عندما يتحول الاختلاف إلى امتحان، والقدرة العجيبة على أن يعيش المختلفون جنبًا إلى جنب؛ لا لأنهم متشابهون، بل لأن في وجدانهم متسعًا لاختلاف لا يفسد للود قضية.
غير أن الكهف، مهما طال، لا ينبغي أن يتحول إلى إقامة أبدية، فالفتية لم يخرجوا من الكهف ليعودوا إلى النوم، خرجوا لكي يُرى فيهم أثر الزمن العميق.
وهنا بالضبط يلتقي ماضي السودان براهنه.
فالحرب، بكل ما فيها من خراب وفقد وتشريد، ليست شيئًا يجوز تجميله أو تحويله إلى قدرٍ محمود.
إنها كارثة إنسانية وسياسية لا ينبغي أن نبحث لها عن فضيلة زائفة.
لكن السؤال الذي لا ينبغي أن نهرب منه هو: ماذا سيفعل السودان بعد هذا الخراب؟ هل سيخرج منه كما دخل؟ أم يخرج منه وقد عرف جذور أصله البعيدة؟ هل يخرج وهو يحمل السلاح القديم في يده، والشعار القديم في فمه، والخصومة القديمة في قلبه؟ أم يخرج وقد أدرك أن أعظم معركة عليه أن يخوضها ليست مع خصمه وحده، وإنما مع الصورة القديمة للسودان الذي في داخله؟
لعل هنا تكمن أعظم دلالة في قصة أهل الكهف، لقد كان أول ما فعله الفتية بعد أن استيقظوا من نومهم الطويل: ﴿فَابْعَثُوا أَحَدَكُم بِوَرِقِكُمْ هَٰذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنظُرْ أَيُّهَا أَزْكَىٰ طَعَامًا فَلْيَأْتِكُم بِرِزْقٍ مِّنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ﴾.
“أزكى طعامًا، وليتلطف”.
كأن القرآن، في لحظة الاستيقاظ الكبرى، لا يضع في أيديهم أداة مقاومة، إنما يضع في أيديهم ثلاثة مفاتيح: الزكاء، والرزق، واللطف.
ولعل السودان، إذا أراد أن يخرج من كهفه الراهن، يحتاج هذه الثلاثة أكثر من أي وقت مضى: أن يبحث عن أزكى ما في تجربته لا عن أكثرها صخبًا، أن يستعيد رزقه من موارده الحقيقية، لا من فتات كارتيلات السياسة، ولوردات الحرب، وأن يتعلم التلطف بعد أن أكلت القسوة أطراف روحه.
ليس المطلوب أن يعود السودان إلى الماضي، فالماضي كعادته لا يعود كما كان.
لكن المطلوب أن يعود إلى جوهره، إلى ذلك الشيء الذي ظل حيًا تحت طيات السنين: السودان الذي لا يرى التنوع لعنةً، السودان الذي لا يجعل الدين سوط عذاب، السودان الذي لا يجعل القبيلة دولة، ولا السلاح وطنًا، ولا السلطة غنيمة، ولا المواطن تابعًا ذليلاً.
السودان الذي يعرف أن الدولة ليست ملك مَن يملك القوة، وإنما هي استحقاق مَن يحسن حماية الضعفاء.
ذلك هو «أزكى طعام» ينبغي أن يبحث عنه السودان الجديد.
وهنا تتكشف براعة التدبير، رغم أننا نريد دائمًا أن نعرف كيف سينتهي كل مأزق وكل شيء قبل تمامه.
بيد أن أهل الكهف لم يعرفوا شيء؛ فقد دخلوا الكهف وهم لا يعلمون ماذا سيحدث، وناموا وهم لا يعرفون كم سيمكثون، واستيقظوا وهم لا يعرفون أن العالم الذي تركوه خلفهم لم يعد هو العالم نفسه.
وهذا هو حال السودان ربما، فنحن أيضًا لا زلنا داخل فقاعة اللحظة، ولذلك ربما أننا لا نرى الي الآن صورة ما يجري حولنا كاملة.
نرى الخراب، ولا نرى ما قد يولد من بين أنقاضه.. نرى النزوح، ولا نرى الأجيال التي ستعود ذات يوم وهي تحمل تعريفًا جديدًا للوطن.. نرى المدن المحترقة، ولا نرى بعدُ المدن التي يمكن أن تُبنى على أنقاضها.. نرى انقسام السودان، ولا نرى بالضرورة أن هذه اللحظة القاسية قد تكون آخر امتحان للصورة القديمة التي عجزت عن صناعة وطن يسع الجميع.
لكن.. لا ينبغي أن نفهم التدبير الإلهي على أنه دعوة إلى السلبية في ذات الوقت، فأهل الكهف لم يجلسوا في الطريق، لكنهم فرّوا بدينهم عندما عجزوا عن حماية إيمانهم.
ولم يتركوا الأخذ بالأسباب، بل أخذوا بسببهم الممكن، ثم تركوا ما وراء الممكن لله. وهنا درس آخر للسودان: فالتوكل ليس أن ننتظر المعجزة ونحن نائمون، وإنما أن نفعل ما نستطيع، ثم لا نعبد الوسيلة؛ نأخذ بالأسباب ولكن لا نؤلّهها، نخطط ولكن لا نزعم أننا نملك المستقبل، نبني ولكن نعرف أن البناء الحقيقي قد يحتاج زمنًا أطول من أعمارنا ذاتها، ونختلف ولكن لا نسمح للاختلاف أن يتحول إلى محرقة لوطننا من جديد.
فالله الذي أدار شأن أولئك الفتية عبر آلة الزمن، لا يحتاج إلى إذن من بشر كي يفتح بابًا.
قد يأتي الفجر من جهة لم نحسبها، وقد تنكسر موازين ظننا أنها أبدية، وقد يصبح ما نراه اليوم سدًا في طريق السودان، هو نفسه الحافة التي يقف عليها ليجترح طريقًا آخر.
لكن شرطنا الوحيد هو ألا نخرج من كهفنا بذات الأمراض التي أدخلتنا إليه.
إذ ليس البعث أن تستعيد الخراب بأدواته، وليس النهوض أن يتغير المنتصر والخاسر بينما يبقى السودان كما هو.
فالانبعاث الحقيقي هو أن يتغير معنى السودان في وعينا، من ساحةٍ للغلبة إلى وطنٍ للشراكة، ومن جغرافيا تتصارع عليها النخب، إلى بيتٍ يسكنه أهله بأمان، ومن دولةٍ يخاف فيها المواطن من أجهزة الدولة، إلى دولةٍ تخاف فيها السلطة على المواطن، ومن وطنٍ يُستدعى فيه الناس إلى الحرب، إلى وطنٍ يستدعيهم إلى البناء.
لعل هذا هو السؤال الذي ينبغي أن يوقظنا جميعًا: ﴿كَمْ لَبِثْتُمْ﴾؟
كم لبث السودان في كهفه هذا؟ كم قرنًا من الغفلة السياسية عاشها؟ كم دورةً أعاد فيها إنتاج نفس المأساة؟ كم مرةً بدّلنا الوجوه ولم نبدّل القاعدة والأساس؟ كم مرةً هدمنا بيتًا لنبني البيت نفسه على الخارطة المعوجة ذاتها؟
وحينها فقط قد نفهم أن أعظم ما في قصة أهل الكهف لم يكن أنهم ناموا ثلاثمائة سنين وازدادوا تسعًا، بل أنهم خرجوا من الزمن القديم دون أن يفقدوا إيمانهم بالله، وثقتهم في أنفسهم، وأملهم في الحياة.
فليكن هذا درس السودان: أن يحفظ جوهره، وأن يترك ما استهلكه للريح، أن يحمل من ماضيه الحكمة لا الخصومة، ومن كوش الكبرياء الحضاري لا أساطير التفوق، ومن التصوف الرحمة لا العزلة، ومن الإسلام العدل لا الغلبة.
وحينئذٍ، لن يكون خروج السودان من كهفه مجرد نهاية حرب، إنما سيكون نهاية عصر، لا يكون فيه السودان مضطرًا إلى أن يثبت للعالم أنه موجود.
فما أكثر ما ظن الناس أن مثل هذا الكهف نهاية الطريق، ثم اكتشفوا أنه كان، في علم التدبير، أول الطريق إلى النهوض.
فاثبتوا.. ليس لأننا نعرف كيف سيأتي الفجر، بل لأننا نعرف مَن بيده مفاتيح الفجر.
ولعل السودان الآن، في أعمق نقطة من ليله، لا يُسأل: متى ينتهي الليل؟ بل يُسأل: ماذا ستفعل حين تفتح عينيك على هذه الآية؟