(مرائي) تصدر عددها الثالث.. قراءة في المشهد الثقافي وأصواته وتجاربِه

الدوحة - مشاوير : مجدي علي

عن مركز قطرات للخدمات الصحفية، صدر العدد الثالث من مجلّة (مرائي) الرقمية الثقافية، التي أسّسها الإعلامي والمثقّف عبد اللطيف مجتبى.

العدد الذي حمل عنوان (في المرأى الجميل ألقاك)، جاء حافلاً بمواد أدبية ونقدية وحوارية وتوثيقية، تتقاطع في اهتمامها بالذاكرة الثقافية السودانية، واستعادة أسماء وتجارب ومؤسّسات أسهمت في تشكيل الوجدان العام.

وفي كلمة العدد، يؤكّد رئيس التحرير عبد اللطيف مجتبى استمرار (مرائي) في مشروعها رغم تعقيدات الواقع، وسعيها إلى تسليط الضوء على الأشخاص المؤثرين والتجارب والمؤسّسات التي كان لها أثر في حياة السودانيين. وينعكس هذا التوجّه بوضوح في ملف العدد الرئيسي (الإذاعة السودانية: نبض الأرض وقصة الإنسان)، الذي يستعيد تجربة الإذاعة القومية بأم درمان، ودورها الذي تجاوز البث الإذاعي إلى الإسهام في تشكيل اللغة والوعي والموسيقى والوجدان في السودان.

وبإشراف خالد الفنوب، يضم الملف كتابات وشهادات تقارب تجربة الإذاعة من جوانب متعدّدة؛ فيكتب عبد اللطيف مجتبى عن (نبض الأرض وقصة الإنسان)، ويقدّم أ.د. عوض إبراهيم عوض قراءة بعنوان (إذاعة أم درمان كمشروع قومي)، متناولاً الوظائف التسع التي أدّتها في توحيد اللسان السوداني وبناء الهوية الوطنية.

ويتناول د. كامل يوسف علي في (إذاعة أم درمان؛ بيت الموسيقى السودانية) دورها في حفظ التراث الغنائي منذ عام 1940، فيما يستعيد يحيى الحسن الطاهر أجواء الإذاعة في مطلع التسعينيات عبر شهادته (حين كان الأثير يمشي على قدمين).

وتضيف سرديات أمير أحمد السيد جانباً من تاريخ الأرشيف الغنائي، من خلال توثيق جهود إنقاذه بعد حريق مكتبة الإذاعة، بينما يتناول د. طارق البحر مشروع (24 ساعة سالم.. إذاعة لكل إنسان). كما يضيء السر السيّد على (سير نسوية في الإذاعة السودانية)، وتجربة نجيب نور الدين وبرنامج (نجوم بعيدة)، إلى جانب مساهمات معاوية محمد عابدين ونرسين عبد الهادي الصديق حول (حقيبة الفن)، ونصوص شعبية تستعيد عبارة (هنا أم درمان) وحضورها في الوجدان السوداني.

ومن هذه الذاكرة الصوتية، ينتقل العدد إلى الأدب وأسئلة الهوية، فيقدّم البروفيسور طلال الطاهر قطبي بشير دراسة (من ملامح التشكيل في شعر عبد الحي)، متتبعاً صلة شعر محمد عبد الحي بالفنون التشكيلية، ومستشهداً بـ(معلقة الإشارات) و(العودة إلى سنار). كما ينشر عامر محمد أحمد حسين الجزء الثاني من قراءته (ذكرى الغابة والصحراء: قراءة في مشروع الهوية السودانية)، متناولاً الخلافات الفكرية بين رواد التيار والأسئلة التي أثارها حول الهوية السودانية.

ويحضر الشعر في العدد بقصيدتي (يوسف المنسي) لحسن عثمان الحسن، و(قمران في قريتنا) لمجاهد علي أحمد خليفة، التي وثّقت للثنائي الغنائي عمر وأحمد عمر (ثنائي المحريبا). ومن القصيدة إلى اللوحة، تفتح (مرائي قاليري) مساحة للذاكرة البصرية، عبر الاحتفاء بالفنان التشكيلي الراحل سليمان جاد الله العريفي في الذكرى الثانية لرحيله، بمقالين لعبد اللطيف مجتبى وبدر الدين محمد النور، إلى جانب سيرة ذاتية وصور من أعماله التي استلهمت الخيول وبيئة كردفان.

ويستكمل العدد هذا الحضور بحوار مع الإعلامية والشاعرة د.عفراء فتح الرحمن، أجرته نهلة جعفر مسيك، وتناول مسيرتها الإعلامية وتجربتها في إدارة إذاعة ولاية الخرطوم، ورؤيتها لجذور الحرب ودور الإعلام في إعادة بناء الوعي الوطني. وفي سياق استعادة النصوص الغائبة، تنشر (مرائي) لأول مرة مقدمة ديوان (العصافير والفراشات) للشاعر الراحل عبد الرحمن الريح، وهو نص لم يُنشر من قبل، إلى جانب مقال خالد سند (شايلها موديها وين؟) عن الفنان فضل أيوب.

ولا تكتفي المجلّة باستعادة ما رسخ في الذاكرة، إذ تلتفت في (مرصد مرائي) إلى المشهد الراهن، برصد عودة (زفّة المولد) إلى الخرطوم بعد ثلاث سنوات من الغياب، والعودة التدريجية لقناة (هارموني) الفضائية إلى العمل بعد التوقّف، في متابعة لما تشهده الحياة الثقافية والإعلامية من محاولات لاستعادة حضورها.

العدد الثالث من (مرائي)، يجمع عبر هذه المواد، بين التوثيق والمتابعة والقراءة، مستعيداً جانباً من تاريخ الثقافة السودانية وأصواتها وتجاربها، وفي الوقت نفسه متابعاً بعض ملامح مشهدها الراهن. وبهذا تواصل المجلة مشروعها في توثيق الذاكرة الثقافية السودانية، وتقديم مادتها للقارئ في صيغة صحفية تجمع بين الخبر والقراءة والتوثيق، وتمنح الأسماء والتجارب التي صنعت جانباً من المشهد الثقافي مساحة جديدة للحضور، بما يُبقي جذوة الثقافة والهم السوداني متقدة، ويمنح الذاكرة الثقافية قدرة على الاستمرار والحضور رغم تعقيدات الواقع.

Exit mobile version