في مدينة بعيدة عن موطنه الأول، وتحت سماء لا تشبه سماء مقديشو التي شهدت أولى خطواته الفنية، أغمض أحمد علي عقّال عينيه للمرة الأخيرة. رحل في مدينة مينيابوليس الأمريكية، بعد مواجهة قصيرة مع المرض، عن عمر ناهز ستة وسبعين عاماً، تاركاً خلفه ما يزيد على خمسة عقود من العطاء الفني، وصوتاً ظل، رغم غيابه، حاضراً في وجدان شعب بأكمله.
تختلف الروايات حول التفاصيل الدقيقة لميلاده، لكن المصادر الأقرب إلى سيرته ترجّح أنه وُلد نحو عام 1950 في وردير، الواقعة في الإقليم الصومالي بشرق إثيوبيا.
وتضيف سيرته أنه تلقى تعليمه الأولي هناك، قبل أن يُرسل إلى مقديشو عام 1959 لمواصلة دراسته، لتبدأ هناك صلته المباشرة بالمشهد الفني الصومالي.
بدأ شغفه بالفن مبكّراً، وكان في السابعة عشرة حين اجتاز اختباراً للانضمام إلى فرقة إذاعة مقديشو. وسرعان ما ظهر ميله إلى التلحين، وتعلّم في تلك المرحلة التدوين الموسيقي في مدرسة للموسيقى.
غير أن الاعتراف الحقيقي بموهبته لم يأتِ من استوديو تسجيل، بل من خشبة المسرح؛ إذ دخل عالم الفنون الأدائية رسمياً عام 1967، وهو لا يزال طالباً، حين شارك في مسرحية (يخاص دهاغادوب) التي كتبها محمود عبد الله إيسه (سنغوب). وكان لهذا التعرّف المبكر على المسرح أثر حاسم في تكوينه الفني، ففي تلك الحقبة كانت الأغنية الصومالية وليدة المسرحية، وكان الفنان ممثلاً ومغنياً وراوياً في آن واحد.
ولم يكن وحيداً في تلك الرحلة الأولى؛ فقد كان شقيقه، الشاعر والموسيقي عبد القادر علي عقّال، رفيق دربه، وكتب له كلمات ولحن الأغنية التي أداها في اختبار الإذاعة، وكانت أغنية وطنية بعنوان (باري إيو غالبيد).
في بيت وابري الكبير
ارتقى عقّال إلى الشهرة الواسعة خلال السبعينيات والثمانينيات، تلك الحقبة التي ارتبطت بالعصر الذهبي للموسيقى الصومالية. وفي عام 1971 أصبح عضواً في فرقة (وابري) الوطنية، التي تشكلت من اندماج فرقة إذاعة مقديشو وفرقة الجيش الوطني الصومالي وفرقة إذاعة هرجيسا، فوجد فيها بيته الفني الكبير ومسرحه الذي ارتقى منه إلى الصفوف الأولى.
ولم يقتصر حضوره على الغناء والتمثيل، بل برز ملحناً لأعمال غناها كبار الفنانين، ومن ألحانه أعمال قدمها محمد جامع جوف ومريام مرسل، ومحمد أحمد كُلّك وحليمة خليف (ماغول)، إلى جانب ألحان ارتبطت بالمسرح والأغنيات الوطنية والثورية. ووضعه الموسيقي مصطفى كيكو ضمن أعظم خمسة ملحنين صوماليين.
وكان عقّال أيضاً جزءاً من التحول الذي شهدته الموسيقى الصومالية نحو الأساليب الحديثة، متأثراً بتجارب فرق مثل (جيميني 7)، كما ارتبط بفرقة (سومالي جاز) في مرحلة فتحت مجالاً جديداً أمام الموسيقيين وغيّرت طريقة تركيب الألحان والأداء.
وفي هذا الإطار، قدّم عقّال ثنائيات غنائية مع عدد من أبرز الأصوات النسائية في تاريخ الفن الصومالي، بينهم خضرة ظاهر، وماغول، وأمينة عبد الله، ومريم مرسال. ومن أبرز تسجيلاته أغنية (كافيا)، التي جمعت بين كلمات الكاتب المسرحي حسن شيخ مؤمن ولحنه الخاص، لتؤكد أنه لم يكن مؤدياً فحسب، بل ملحناً صاحب بصمة أصيلة.

أما ألبومه (مارو)، فيُعد الأكثر شهرة بين أعماله، وضمّ أغاني ما تزال تتردد أصداؤها حتى اليوم، مثل (قلانجوي) و(بابولاها ليبااكس) و(كاكوي هاول أدون بادانا) و(هارو دايد) و(كاراويلو)، إلى جانب (كافتانكونا إينو زيدهان) التي ارتبطت باسم مريم مرسال في مسيرتهما الفنية. ويحمل اسم (قلانجوي) دلالة شعرية في الثقافة الصومالية، إذ استُخدم مجازاً في وصف المرأة بالجمال والأناقة والرشاقة.
وفي تجربة مغايرة، قدّم في أغنية (لبدة الأسد) جانباً أكثر تأملاً من شخصيته الفنية، إذ روى فيها رحلته بعيداً عن صخب المدينة نحو حياة أقرب إلى الطبيعة، ناقلاً إحساساً بالعزلة وهو يراقب الحياة البرية من حوله.
وما ميّز عقّال عن كثير من أقرانه أنه لم يحصر نفسه في لون واحد من ألوان الغناء؛ فأغانيه الرومانسية لا تزال تُحيي حفلات الأعراس، بينما تحمل أعمال أخرى نبرة تأملية تتناول أثقال الحياة. كما تجاوز أثره تسجيلاته الشخصية بعدما غنى آخرون ألحانه، فكان تأثيره في المشهد الغنائي يتجاوز حضوره كمطرب.
ولم تكن حياة عقّال العاطفية بمعزل عن اهتمام الجمهور الصومالي؛ فقد ارتبط بزيجتين فنيتين، الأولى من المطربة الراحلة خضرة ظاهر إيجي، والثانية من المطربة مريم مرسال، وظلت علاقته بمرسال جزءاً من السردية المتداولة حول حياته ومسيرته الفنية.
غريب في الأرض، سفير في القلب
مع انهيار الحكومة المركزية الصومالية في مطلع التسعينيات، وجد عقّال نفسه، كحال كثيرين من أبناء جيله، مضطراً للرحيل بعيداً عن وطنه. ووصل إلى الولايات المتحدة عام 1995، ليستقر لاحقاً في مينيسوتا، حيث أمضى نحو ثلاثة عقود. ولم يكن الاغتراب فاصلاً بينه وبين جمهوره؛ فقد ظل حاملاً معه الثقافة الصومالية ورسالة وحدة. وتُوّج هذا الحضور عام 2021 بجائزة (الأسطورة الحيّة) من المتحف الصومالي خلال حفل أقيم في مركز مينيابوليس للمؤتمرات، إضافة إلى جوائز وتكريمات أخرى نالها في الصومال وأوروبا.
ولم يكن رحيله مناسبة حزن عابرة؛ فقد تجمّع الآلاف يوم رحيله في مقبرة المسلمين ببيرنزفيل بولاية مينيسوتا لتوديعه، وكان بين المشيعين صديق عمره الموسيقي صلاح دربي، الذي عرفه منذ ستينيات القرن الماضي.
وروت هيبو نورا محمد هودون، التي عملت معه عن قرب، جانباً إنسانياً من شخصيته، واصفة إياه بالتواضع والحرص على مساعدة الآخرين. أما صديقه المقرّب عبدي جنان فأشار إلى أن أثر عقّال تجاوز أغانيه المنفردة، ليمتد إلى نشاطه في فرقة الجاز الصومالية ونادي جوبا الليلي.
ووصف السفير الصومالي لدى الولايات المتحدة، ضاهر حسن عبدي، الفقيد بأنه (أيقونة وطنية حقيقية لامس صوتها وفنها قلوب الملايين)، مؤكداً أن إرثه سيبقى حياً في الأغاني التي تركها والذكريات التي صنعها. كما نعته وزارة الإعلام والثقافة والسياحة الصومالية، وقدمت التعازي إلى أسرته وذويه وإلى الشعب الصومالي.
ويكتسب رحيل عقّال دلالة أعمق حين يوضع في سياقه الزمني؛ فهذا الجيل الذي أسهم في بناء الموسيقى الصومالية الحديثة يرحل تباعاً، فيما يعيش كثير من رموزه في الشتات. ولا يُفقد برحيل هؤلاء الأغاني وحدها، بل الذاكرة الحية القادرة على رواية كيف وُلدت الأعمال، ومن شارك في صناعتها، وما الذي جعلها جزءاً من وجدان أجيال متعاقبة.
ويترك أحمد علي عقّال وراءه إرثاً فنياً واسعاً يمتد لأكثر من خمسة عقود، جمع فيه بين الغناء والتمثيل والتلحين، وأسهم في تشكيل مرحلة محورية من تاريخ الموسيقى والمسرح الصوماليين. وما يزال فنانون أصغر سناً، في الداخل كما في الشتات، يستلهمون ألحانه ويعيدون تقديم أغانيه، لتبقى تجربته حاضرة في وجدان أجيال لم تعاصره. وقد لخّص شقيقه أسعد علي عقّال مكانة الاسم حين قال إن اسم أخيه كان بمثابة (جواز سفر) له بين الصوماليين.
لقد رحل الجسد، لكن الصوت ظل يتردّد؛ لا بوصفه ذكرى فنان فحسب، بل جزءاً من ذاكرة بلد عبرت تاريخه الأغنية والمسرح والحرب والمنفى. وبين مقديشو ومينيسوتا بقي أحمد علي عقّال جسراً بين زمنين، وبين وطن وأجيال من أبنائه في الشتات، حتى صار أثره أكبر من التسجيلات نفسها، وأقرب إلى ذاكرة شعب حمل صوته معه أينما ذهب.
زر الذهاب إلى الأعلى
error: النسخ ممنوع