الخماسية تعود لصوابها!!

أشرف عبدالعزيز

يعكس البيان الصادر عن الآلية الخماسية محطة مفصلية في مسار التعاطي الإقليمي والدولي مع الأزمة السودانية الشائكة، حيث أتى هذا التطور في توقيت سياسي شديد الحساسية شهد تتابعاً متسارعاً للأحداث والمواقف الدولية والإقليمية.

فقد جاء البيان في أعقاب ترحيب مفوضية الاتحاد الأفريقي بانطلاق الحوار السوداني السوداني ، إلى جانب المباركة الشاملة التي أبدتها جامعة الدول العربية لجهود الحوار.

وفي خضم هذه المستجدات، برز تباين واضح وواضح المعالم بين مكونات الخماسية ذاتها بشأن مقترح القيام بزيارة ميدانية للعاصمة الخرطوم، وهو التباين الذي رسم ملامح القراءة الجديدة للوضع الميداني والسياسي، ودفع الآلية نحو إعادة تقييم أدواتها وتحركات المستقبلية بما يتوافق مع الواقع المتغير على الأرض.

تكمن الدلالة الأهم في هذا البيان انه ولأول مرة منذ تأسيس (الآلية الخماسية في منتصف ديسمبر 2025) ، في الإشارة الصريحة والمباشرة إلى الآلية الرباعية وتسمية دولها المكونة، وهي الولايات المتحدة الأمريكية، والمملكة العربية السعودية، و مصر والإمارات، مع النص على الاستمرار في تنسيق وثيق معها.

يمثل هذا التصريح تحولاً جوهرياً وتراجعاً عن منافسة المبادرات، لا سيما وأن الآلية الرباعية كانت قد طرحت منذ سبتمبر 2025 عبر بيان وزاري متكامل خارطة طريق واضحة لمعالجة الازمة السودانية.

تلك الخارطة التي استندت إلى ركائز رئيسية عبّرت عن تطلعات الأغلبية الساحقة من الشعب السوداني، وفي مقدمتها الإيقاف الفوري لإطلاق النار، وإقرار هدنة إنسانية شاملة تفتح الباب واسعاً أمام عملية سياسية بقيادة مدنية تتعامل بجدية مع الجذور التاريخية والهيكلية للحروب في البلاد.

ولم تكن هذه الخطوة الخماسية باتجاه الرباعية معزولة عن مطالبات الشارع والقوى الحية، بل جاء التنسيق بين المسارين الاستراتيجيين لتلبي مطلبٍ أساسي ومحوري طالما نادت به القوى السياسية والمدنية المناهضة للحرب. فقد أدركت هذه المكونات المدنية مبكراً أن خطورة تعدد المنابر وتشتت المسارات التفاوضية تمنح الأطراف المتربصة والقوى المتكسبة من استمرار الصراع فرصة عملية لـ «التبضع في المبادرات» والانتقال بين منصة وأخرى لتكتيك الوقت وتفادي الالتزامات.

ومن هنا، فإن توحيد جهود الخماسية والرباعية تحت مظلة متماسكة يقطع الطريق أمام هذا التكتيك التفاوضي الذي تسبب عملياً في إطالة أمد المواجهات وتعميق الأزمة الكارثية وإلحاق المزيد من المعاناة بالمدنيين في مختلف الولايات.

هذا التحول الجديد يصب بصورة مباشرة في مصلحة القوى السياسية والمدنية المناهضة للحرب، إذ حسم البيان موقف الآلية الخماسية بالصرف النهائي للنظر عن زيارة الخرطوم في الوقت الراهن، ومباركة مسار الحوار السوداني السوداني والعمل على دعمه بصورة مباشرة.

ويعني هذا التحول أن الخماسية آثرت الالتزام بالحياد السياسي والتكامل مع جهود الرباعية بدلاً من الانخراط الإداري المباشر الذي كان سيُفسر لصالح طرف على حساب آخر. ولا يمكن فصل هذا التحول السياسي والدبلوماسي النامي عن سياق التغطيات الإعلامية المكثفة والنشر المتزامن لملفات ووثائق سرية في أكبر صحيفتين أمريكيتين تعبران عن التيارين الديمقراطي والجمهوري، واللتين تناولا مزاعم حول استخدام الجيش لأسلحة كيميائية، مما يشير إلى وجود ضغوط وتقاطعات دولية معقدة تتجاوز حدود الميدان لتلقي بظلالها على خيارات كافة الفاعلين وتدفع الجميع نحو خيار التسوية والالتزام بمسار سياسي موحد ينهي الحرب.

Exit mobile version