في ليلة وفاء ودعم لشاعر المشاعر وأسرته: ظلمته الحياة حتى غاب …(أسمار) تفتح سيرة محجوب سراج
الدوحة - مشاوير : مجدي علي
بعد سنوات من الغياب عن المشهد، يعود اسم الشاعر الراحل محجوب سراج إلى الواجهة من بوابة أمسية ينظّمها منتدى (أسمار) في الدوحة مساء الجمعة المقبلة، في ليلة يشرّفها الفنان علي السقيد، وتستعيد تجربة شاعر ترك بصمته عميقاً في تاريخ الأغنية السودانية، قبل أن يرحل في صمت بعد سنوات قاسية من المرض وضيق الحال.
أمسية (أسمار) لا تبدو مجرد استعادة لأغنيات سراج، كما حدّثني عضو قيادة المنتدى عبد الرحيم حجوج، إذ اختار المنتدى أن يضع سيرته الإنسانية في قلب الاحتفاء، في محاولة لرد شيء من الاعتبار إلى شاعر غنّى له كبار الفنانين، بينما عاش بعيداً عن الأضواء، مثقلاً بالمرض وقسوة الظروف المعيشية.
ولليلة خصوصية أخرى تستحق الثناء، فقد أعلن المنتدى طباعة وتدشين ديوان للشاعر اختير له عنوان (بعد الغياب)، إحدى أشهر كتاباته، وأكّد لي حجّوج أن المنتدى قرّر تخصيص عائد الحفل لدعم أفراد أسرته والمساهمة في علاجهم، في بادرة لرد الجميل إلى شاعر قدم الكثير للأغنية السودانية ولم ينل ما يستحقه من إنصاف.
اختيار (بعد الغياب) عنواناً للديوان يحمل دلالة تتجاوز تسمية كتاب. ففي الأغنية التي حملت الاسم، كتب سراج عن عودة الحبيب بعد غياب طويل، وعن الفرح الذي يأتي بعد سنوات الألم والانتظار. أما استعادتها اليوم عنواناً لديوانه، فتمنحها معنى آخر؛ إذ يعود الشاعر نفسه إلى الواجهة بعد سنوات من الغياب عن الضوء.
ارتبط اسم محجوب سراج بحي العرب في أم درمان، أحد الأحياء التي ارتبط تاريخها بالفن والأدب السوداني، وُلد فيه عام 1938، وكان من الأحياء التي خرّجت أجيالاً من الأدباء والفنانين والسياسيين. درس في أم درمان، وتخرّج في مدرسة المؤتمر الثانوية عام 1957، حيث كان يكتب الشعر الفصيح وينشط في الجمعيات الأدبية بالمدرسة. وفي عام 1958، التحق بالعمل في مصلحة الكهرباء والمياه، وهناك التقى الفنان والملحن السنّي الضوّي، لتبدأ واحدة من أهم المحطات في مسيرته الشعرية.
وجمعت الاثنين أيضاً شراكة أدبية حين عملا معاً في مجلة (الصراحة)، قبل أن يبدأ السنّي الضوّي تلحين قصائده.
كانت أولى تجاربه المغنّاة مع الفنان صالح سعد، أحد جيرانه في حي العرب، في مطلع الستينيات، قبل أن تتسع دائرة تعاونه مع السنّي الضوّي، الذي لحّن عدداً من أعماله، ثم غنى له ثنائي العاصمة وصلاح بن البادية وإبراهيم عوض، فيما تشكّلت مع صلاح مصطفى ثنائية فنية أنتجت عدداً من الأغنيات التي بقيت حاضرة في الذاكرة السودانية.
ومن أبرز ما ارتبط باسم سراج أغنيات نواضر منها (بعد الغياب) و(حبّة شوق) و(أحسن أوادعك) و(الماضي والحاضر) و(لمسة) بصوت صلاح مصطفى، و(ليه بتسأل عنّي تاني) و(مين قسّاك) و(قاصدني ما مخليني) بصوت إبراهيم عوض، و(أول حب وآخر حب) و(الجرح الأبيض) و(أمنتك عواطفي) بصوت صلاح بن البادية، إلى جانب (أحبك أحبك ما لا نهاية) التي غناها عثمان حسين، وأعمال أخرى قدّمها ثنائي العاصمة.
لكن سيرة سراج لا تُختزل في الأغنية العاطفية وحدها. ففي أكتوبر 1964، كتب نشيد (الحادي والعشرين من أكتوبر)، الذي لحّنه صلاح مصطفى، ليقدّم نموذجاً آخر من قدرته على الانتقال بالكلمة من الخاص إلى العام، ومن عاطفة المحب إلى وجدان الوطن. ويروي سراج في شهادة قديمة أن النشيد كُتب في يوم الثورة نفسه، حين وصل إلى مكتب صلاح مصطفى متأثّراً بما شهده في الشارع، حاملاً الكلمات التي كتبها، فالتقطها صلاح مصطفى ولحّنها، وسجلت في الإذاعة في اليوم ذاته.
غير أن هذا الحضور الكبير في ذاكرة الغناء لم يصاحبه حضور مماثل لصاحبه في المشهد العام. فمع مرور السنوات، ابتعد سراج عن الأضواء، وعاش في ظروف صحية ومعيشية قاسية، قبل أن تزداد معاناته في سنواته الأخيرة مع المرض وضيق الحال، وفقد بصره تدريجياً، وغادر حي العرب ليقيم مستأجراً في أطراف أم درمان.
وتكشف شهادات عن سيرته أن محجوب سراج لم يكن من أصحاب المعاشات، وأن منحة أدبية شهرية متواضعة كان يتقاضاها من هيئة المصنّفات الأدبية توقّفت في مرحلة لاحقة، ما اضطره في فترات من حياته إلى بيع بعض أشعاره لتوفير احتياجاته. كما عانى أفراد أسرته من ظروف صحية ومعيشية صعبة.
ورغم قسوة تلك السنوات، ظل سراج حاضراً في ذاكرة الأغنية بوصفه (شاعر المشاعر) و(قيثارة الغناء السوداني). كان يحوّل مشاعره إلى لغة يتعرّف إليها المستمع في تجربته الخاصة؛ فتبدو قصائده، في كثير من الأحيان، كأنها رسائل إلى محبوب غائب، تتنقل بين العتاب والشوق واللوم والرجاء والتمني، من دون أن تفقد رقتها أو قدرتها على التسامح.
في (ليه بتسأل عني تاني)، يتحوّل غياب المحبوب وعودته إلى مواجهة مع ذاكرة الألم، وفي (حبّة شوق) لا يهزم الصد الحب، ولا يتحوّل العتاب إلى قسوة، ثم تأتي (بعد الغياب) كأنها نهاية لتلك الرحلة، بعودة الحبيب وعودة الأمل بعد طول انتظار.
رحل محجوب سراج في 28 مايو 2020، بعد أن أمضى سنواته الأخيرة بعيداً عن الأضواء. رحل الشاعر، لكن أغنياته بقيت، ترددها أجيال لم تعرف بالضرورة الكثير عن الرجل الذي كتبها.
ومن هذه الزاوية تكتسب أمسية (أسمار) معناها؛ فهي لا تستعيد شاعراً راحلاً فحسب، وإنما تفتح سؤالاً حول علاقة الوسط الفني والإعلامي بالمبدعين الذين يصنعون جزءاً من الذاكرة الجماعية ثم يجدون أنفسهم، في نهاية الطريق، خارج دائرة الاهتمام. وبعد سنوات من الغياب، تأتي (أسمار) لتفتح ديوانه (بعد الغياب) وتعيد سيرته إلى الواجهة، بوصفها عودة متأخرة لشاعر لم تغب كلماته، وإن غاب صاحبها طويلاً عن المشهد. وتأتي ليلة محجوب سراج امتداداً لدور المنتدى في الاحتفاء بالثقافة والفن السودانيين، واستعادة التجارب والأسماء التي أسهمت في تشكيل الذاكرة الفنية، مؤكدة أن نشاط (أسمار) لا يقف عند إقامة الفعاليات، وإنما يسعى إلى وصل الفن بالبعد الإنساني والاجتماعي، وتحويل الاحتفاء بالمبدعين إلى مساحة للتوثيق والوفاء.