في وسط زحمة الأحداث انشغلنا دون تناول تصريح للدكتور كامل إدريس قال فيه إن الجيش السوداني من أقوى جيوش العالم. وبادئ ذي بدء، نحن نفهم نوايا الدكتور، وهو يواجه معضلات السلطة التنفيذية. وأهمها تحدي الهبوط المريع للدولار، وعدم وجود “الدعم السريع” لإنقاذه. وكذا تلوح أزمات الكهرباء، وتفلتات المشتركة، وصحة البيئة.
وهناك تفاصيل كثيرة عن عجز حكومة كامل في الجوانب الخدمية المتنوعة. ناهيك عن فشله السياسي كرئيس وزراء لحكومة أراد البرهان تكوينها تلبيةً لمتطلبات الاتحاد الأفريقي.
أو شيء من هذا القبيل حتى يظهر الوجه المدني لسلطة بورتسودان. ذلك في وقت أصبح التحدي الأكبر لكامل هو البرهان نفسه. وآية ذلك ضرورة الرضا المستمر به كرئيس وزراء أراجوز. واجبه أن يصرح بما لم يستطعه الأوائل منذ زمان الأزهري عام 1954.
إذن التصريح بقوة الجيش عالمياً هو تصريح نية. و”النية زاملة سيدا” كما يقول المثل. ونحن غير ملزمين بتكذيب كامل ما دام موضوع الجيش الأول عالمياً محل نظر. ذلك الذي يأخذ في الحسبان العلاقة المريبة بين المثقف “المطموس” والسلطة الشمولية التي تستخدمه.
فالأهم في نوايا الدكتور هنا أنه يريد أن يلعب دور “المتورك” لتجاوز التركي نفسه. وعندئذ يدخل تصريح سيادته في باب الدكاترة الذين تأتي بهم سلطات الاستبداد لأداء دور محدد.
ولكنهم دوماً يفوقون حسن ظن الدكتاتور بهم. ولذلك يفهم البرهان من تصريح الدكتور – ومن ورائه الإسلاميون – أن كاملاً سائر في الخط، وزائد “البلف” زيادة خطيرة، ولكنها مقبولة.
فالذي يصف “جيشنا الهمام” بأنه ضمن أقوى الجيوش في العالم لا بد أن نيته إثبات قدرته كمدلس عظيم، لا كوطني غيور. فتقييم أداء القوات المسلحة في الحرب الجارية – بأي صورة أتى – لا يتجاوز حقيقة أنها فقدت نصف الأراضي التي كانت تقع تحت سيطرتها. هذا إذا تجاوزنا أن جيش الكيزان هذا أفقدنا الجنوب بالتفاوض لعدم قدرته على “سحق التمرد”. وذات هذا الجيش الذي أُعيدت هيكلته إسلاموياً بعد “انقلاب 89” فشل في القضاء على الحلو، ومناوي، وجبريل، وعقار، وعبد الواحد، مما أدى إلى التفاوض مع بعضهم عبر أبوجا، والدوحة، ونيفاشا، وجوبا.
نعتقد أن التحدي الأكبر لجيش الكيزان هو تخلصه من جيوش تحميه الآن. بدءً من جيش المشتركة، إلى الكيكلاب الدراعة، وليس ختاماً بجماعة البراء. أما جيوش شيبة ضرار، والأمين داؤود، والتوم هجو، و”طمبور”، وبقية الجيوش الواقفة مع الحرب، فتؤكد أن الجيش الرسمي هو الأضعف الذي يجد الرعاية داخل السودان من هذه الجيوش، وليس الأقوى وسطها. دع عنك هذه العالمية التي تخيلها كامل نفاقاً، وبهتاناً، وتطبيلاً.
وبالنسبة للجيوش الكثيرة التي احتواها تنظيم “تأسيس” فالجيش الذي تحقق سناء مع قادته أضعف أيضاً بفراسخ مديدة، .
باختصار: الجيش الذي يتحدث عنه كامل – بدلاً عن أن يكون حامياً للمواطن – ترك مواطني الخرطوم، والجزيرة، والفاشر، لقمة سائغة لجلادي الدعم السريع أمثال كيكل، والنور قبة، والسافنا.
إنه بالكاد الجيش الوحيد في العالم المحمي الآن بمليشيا الحرب، هذا إذا لم نقل أنه بالحق مليشيا تابعة للحركة الإسلاموية. ولذلك تسقط مزاعم الدكتور كامل الذي تحدث معظماً القوات المسلحة الكيزانية لضرورات البقاء في موقعه عبر معونة التدليس من أجل استمرار التنصيب.
وكامل المثقف بطبيعة تعليمه، وشهاداته، ونجوميته في الملكية الفكرية العالمية سابقاً أثبت بتصريحه ذاك أنه فنان في الحفاظ المستميت على دناءة دوره. فهو يعلم أن البرهان في “قعدته” الليلية مع جنرالاته يضحكون بجلاجل. إذ هم يرون تصريح كامل يتصدر عناوين شاشة العربية، أو الجزيرة.
فأبي سفنجة – كما وصفه أحدهم عند هروبه من السلاح الطبي إلى بورتسودان – يعلم تماماً أنه لا هو مهدي، ولا كامل خليفته التنفيذي. فالقصة كلها أدعى لتدوير نفايات متعلمة في حكم السودان العضوض. وبهذا المستوى لا مشاحة بأن يكون “القرد في عين أمو غزال”.
ربما التوصيف الأعمق لتصريح كامل بأن جيش البرهان يمثل أقوى جيوش العالم هو في الواقع “كسير تلج” للبرهان. ولسان حاله يقول: “أنا أصرح، إذن أنا موجود”، مع الاعتذار للفيلسوف رينيه ديكارت.