أزمات متلاحقة تزيد ضغوط الحياة المعيشية على السودانيين

مشاوير - تقرير : إشراقة علي عبد الله

تتفاقم الضغوط المعيشية على السودانيين في مختلف مدن وقرى البلاد منذ اندلاع الصراع المسلح بين الجيش وقوات “الدعم السريع” في أبريل 2023، إذ يواجهون باستمرار ارتفاعاً حاداً في أسعار السلع الأساسية مع شكاوى من ضعف الرقابة وغياب إجراءات تحد من الارتفاعات المتلاحقة.

في الوقت ذاته، تواجه الأسر أزمات متتالية من موجات نزوح ولجوء ونهب للممتلكات وفقدان الأرواح وتفشي الأمراض وانقطاع خدمات الكهرباء والمياه، إلى جانب زيادة في أسعار الوقود والخبز، لا سيما أن هذه العوامل اجتمعت مع ضعف الرواتب وفقدان مصادر الدخل للغالبية مع تفشي البطالة، وممارسة مهن هامشية لتدبير لقمة العيش، مما أدى إلى زيادة نسبة الفقر التي وصلت إلى أكثر من 73 في المئة.

كذلك فقد أدى الانهيار المتسارع للجنيه السوداني أمام العملات الأجنبية، في أسوأ تدهور للعملة الوطنية منذ أعوام طويلة، إلى مزيد من الغلاء وتآكل القدرة الشرائية، إضافة إلى عوامل أكثر تعقيداً خلفتها الحرب من تدمير المصانع والمشاريع الزراعية الكبرى.

تأتي هذه الأوضاع المتأزمة مع استمرار النزاع وتبدل السيطرة على بعض المناطق الاستراتيجية لتفاقم الأزمة الاقتصادية في البلاد وانعكاساتها على ملايين السودانيين.

موجة غلاء

في السياق تقول ربة المنزل عواطف محمد التي تقيم في منطقة صالحة جنوب أم درمان إن “غالبية الأسر أصبحت لا تعرف كيف تدبر يومها في ظل موجة الغلاء غير المسبوقة التي تشهدها الأسواق في أسعار السلع الأساسية والمواد الاستهلاكية، مما فاق القدرة الشرائية”، وأضافت أن “الأسر غيرت أنماط معيشتها وقلصت الاستهلاك اليومي، وباتت تكتفي بوجبة واحدة خالية من اللحم في وجود الأطفال وكبار السن، مما يجعلهم عرضة لمرض سوء التغذية، علاوة على ضعف الخدمات، خصوصاً الكهرباء والمياه وتوقفها أياماً وأسابيع، إضافة إلى مصاريف الدراسة التي أثقلت موازنة الأسر التي أصبحت محدودة للغاية، ناهيك بإيجارات المنازل المرتفعة”.

وتابعت محمد “ربات البيوت أصبحن يمارسن أنشطة منزلية مثل صناعة المخبوزات والعطور الخاصة بالنساء السودانيات وبيعها في الأسواق لتدر دخلاً منتظماً، لمساعدة أزواجهن الذين لا يشعرون بالراحة بعد انقطاعهم عن العمل وكسب رزق اليوم باليوم عبر مهن هامشية لا تناسب أوضاعهم الوظيفية قبل اندلاع الحرب، لكننا نبذل ما بوسعنا من أجل البقاء على قيد الحياة”.

وأشارت ربة المنزل إلى أن “حقيقة الأوضاع المعيشية أصبحت لا تطاق داخل السودان نتيجة صعوبات ماثلة وشلل تام شمل كل أوجه الحياة، في ظل عدم وجود رقابة محلية على الأسواق تحد من ارتفاع الأسعار”.

تحسين أوضاع

في ضاحية الأزهري جنوب الخرطوم، قال المعلم صالح الأمين “أسرتي المكونة من خمسة أفراد تحتاج إلى 50 ألف جنيه سوداني (17 دولاراً) لتوفير وجبتين متواضعتين، وهو رقم لا يتناسب مع دخلي الشهري، مما دفعني بعد انتهاء الدوام الرسمي إلى ممارسة صيد الأسماك كونها هواية أمارسها فترة ما قبل الحرب، إذ تحقق الاكتفاء الذاتي والفائض أعرضه للبيع في أحد الأسواق الواقعة في محيط الحي، فضلاً عن تأجير جزء من منزلي كونه أفضل استثمار في ظل الظروف الحالية حتى نستطيع تلبية الحاجات المنزلية”.

وأشار الأمين إلى أنه “من المؤسف أن العائلات باتت تعيش حالاً من القلق في كيفية تدبير يومها، إذ تتفاجأ في مطلع كل يوم جديد بزيادة في أسعار المواد الاستهلاكية، لذلك أصبح التخطيط لتحسين الأوضاع المعيشية جزءاً من الأعباء اليومية”، وواصل “في الغالب أصبحنا نعتمد في نظام التغذية على استهلاك الخضراوات والبقوليات وأحياناً طهي البطاطا الحلوة مع البصل والمرقة من دون إضافة اللحم مع الاستغناء عن الفاكهة، لا سيما أن مخاوف الإصابة بالأمراض نتيجة سوء التغذية باتت تتصاعد لدى كثير من السكان”.

ومضى المعلم في القول “الضغوط المعيشية تتفاقم باستمرار، وأخيراً شملت الخبز، وأصبحت كلفته تفوق متوسط الأجور في القطاع الحكومي، وإزاء هذه الأوضاع يمكن الحل بتقديري في إحياء الزراعة في المناطق التي تضررت من الصراع، وتشغيل المصانع واستيعاب الطاقات البشرية، فضلاً عن ضبط الأسواق وتوحيد الأسعار وفرض رقابة مشددة من قبل الأجهزة المتخصصة، بما فيها الأمن الاقتصادي حتى لا يضع التجار الأسعار وفقاً لرغبتهم”.

تراجع وخسائر

وبينما تشهد الأسواق المحلية حالاً من الركود، وشللاً في حركة البيع والشراء مدفوعة بالارتفاع في سعر صرف الجنيه السوداني مقابل العملات الأجنبية، اتجه تجار كثر إلى إغلاق محالهم التجارية موقتاً تحسباً لمزيد من الخسائر.

بدوره يقول مبارك إدريس وهو تاجر في سوق أم درمان إن “موجة الارتفاع في أسعار الصرف أدت إلى تراجع حاد في القوة الشرائية، مما دفع بعض أصحاب المحال التجارية إلى تعليق النشاط إلى حين استقرار العملة الوطنية التي وصلت إلى أسوأ أزماتها”.

وأردف إدريس “الحركة التجارية في أسواق المواد الاستهلاكية تشهد ضعفاً شديداً، وإثر ذلك قرر التجار عدم استئناف العمل إلا بعدما تتضح معالم السعر الجديد في الأسواق”.

وخلص التاجر إلى القول “عموماً تشهد السوق ارتفاعاً في الأسعار بلا استثناء، إلى جانب محدودية حركة المواطنين، ومن المتوقع حدوث قفزات في أسعار السلع في حال استمرار تراجع الجنيه، وعدم اليقين الذي يخيم على السوق”.

ضغوط إضافية

من جانبه يرى الباحث الاقتصادي عبدالوهاب جمعة أن “حال التدهور في الأوضاع المعيشية تأتي في وقت يعاني الاقتصاد السوداني منذ اندلاع حرب أبريل 2023، إذ فقد الجنيه أكثر من 80 في المئة من قيمته مقابل الدولار، في حين تعتمد البلاد بصورة كبيرة على الواردات لتغطية حاجاتها من السلع والوقود”.

وزاد جمعة أن “الاعتماد على السوق الموازية في تداول العملات الأجنبية بالسودان، كونه المحدد الرئيس للأسعار في ظل غياب رقابة فاعلة، يجعل أي ارتفاع في سعر الدولار ينعكس بصورة مباشرة وسريعة على أسعار السلع المستوردة”.

وأكد الباحث الاقتصادي أن “الارتفاع الحالي في الأسعار يشكل ضغوطاً إضافية على الأسر التي تعاني أصلاً تدني مستويات الدخل وارتفاع معدلات التضخم”.

انهيار اقتصادي

في المنحى ذاته، أشار المحلل الاقتصادي كمال كرار إلى أن “الاقتصاد السوداني ظل ينكمش منذ نشوب الحرب بصورة تراكمية مع موجات النزوح، وهو ما أدى إلى فقدان ملايين السودانيين مصادر الدخول، إلى جانب توقف المنشآت الزراعية والصناعية والخدماتية”.

وأوضح كرار أن “تراجع الإنتاج يعد السبب الأساس في ارتفاع الأسعار، إذ انخفض إنتاج كثير من المحاصيل وتعطلت مصانع كثيرة نتيجة الدمار أو انقطاع الكهرباء وكلفة التشغيل وصعوبة الحصول على المواد الخام، كذلك أسهم تراجع الصادرات الزراعية والصناعية، في تدني حصيلة البلاد من النقد الأجنبي، وزيادة الضغط على سعر الصرف”.

واستطرد كرار “في المقابل، ارتفعت كلفة النقل إلى مستويات قياسية نتيجة الجبايات الباهظة وتعدد نقاط التفتيش، علاوة على تدمير الطرق والجسور وارتفاع أسعار الوقود، واضطرار سائقي الشاحنات إلى سلك طرق أطول وأكثر كلفة، فضلاً عن أن كلفة نقل البضائع بين الولايات التي ارتفعت بما يراوح ما بين 100 و300 في المئة مقارنة بما كانت عليه قبل الحرب، وهو ما انعكس مباشرة على أسعار الغذاء والدواء والسلع الأساسية، كذلك أسهم الانخفاض الحاد في قيمة الجنيه بتعميق الأزمة، وزيادة كلفة الواردات من القمح والوقود والأدوية ومدخلات الإنتاج الزراعي والصناعي”.

ولفت إلى أن “استمرار العجز في النقد الأجنبي رفع كلفة الاستيراد، ومن ثم انتقلت هذه الاضطرابات إلى المستهلك، مما أدى إلى تفاقم الضغوط التضخمية وتآكل القوة الشرائية للأسر، لا سيما أن التوسع في الاقتصاد الموازي وتهريب الذهب والثروة الحيوانية والسلع الاستراتيجية كلها أسهمت في حرمان الدولة من مليارات الدولارات من الإيرادات والنقد الأجنبي”.

وبين أن “الحلول للحد من هذه الأزمات، تبدأ بوقف الحرب وتأمين الممرات التجارية والإنسانية وذلك لأن استقرار الأوضاع الأمنية الشرط الأساس لعودة الإنتاج والاستثمار، لذلك بات من الضروري إطلاق برامج طوارئ لإعادة تشغيل الزراعة والصناعة وتمويل المواسم الزراعية، بخاصة في المشاريع القومية مثل مشروع الجزيرة، فضلاً عن وضع حد للرسوم المفروضة على الطرق وحركة السلع بين الولايات، بما يسهم في خفض كلفة وصول السلع إلى الأسواق”.

وشدد المحلل الاقتصادي في ختام حديثه على “أهمية استعادة استقرار سعر الصرف عبر زيادة حصائل الصادرات الرسمية وتشجيع تحويلات السودانيين بالخارج عبر الجهاز المصرفي، ووقف نزف تهريب الذهب والمواد الطبيعية، إلى جانب تبني سياسات نقدية ومالية تحد من التمويل مع توجيه الإنفاق العام نحو الإنتاج والخدمات الأساسية، إضافة إلى توسع برامج الحماية الاجتماعية، وحتى يتحقق ذلك يظل المواطن في مواجهة يومية مع موجات الغلاء التي تلتهم دخله وتزيد من اتساع دائرة الفقر”.

Exit mobile version