مقالات

صحافة البرهان الاستقصائية … “أنفٌ يهزم الكيمياء”

عبد الجليل سليمان

اكتشف الجيش السوداني أخيراً من خلال ثلة ممن يعتقدون إنهم كبار الصحافيين ودهاقنة الإعلاميين؛ طريقة حاسمة لنفي تقارير وتحقيقات صحفية أميركية تكشف عن استخدام الجيش السلاح الكيميائي خلال حربه ضد إحدى مليشياته.

إنها تقنية شمّ الهواء.

لا مختبرات، لا خبراء، لا عينات، لا تحقيقات. فقط مجموعة من الصحفيين، وأنوف مفتوحة، وجولة في شوارع الخرطوم.

يتقدم الصحفي الأول: يشم.

لا شيء.

تشم الصحفية الثانية: لا شيء.

يشم الثالث بتركيز مهني عالٍ: لا شيء.

وهكذا يُغلق الملف.

فالكيماوي، كما يبدو، مادة شديدة الأدب؛ تزيل رائحتها بنفسها لحظة حشر الصحفية أو الصحفي أنفه في هواء الخرطوم .

ولماذا نعقّد المسألة؟ إذا كان الاتهام يتعلق بهجوم وقع أمس، فلماذا نفتش عن آثاره؟ يكفي أن ننزل اليوم إلى الشارع، نستنشق الهواء، ثم نعلن للعالم أن الأنف لم يضبط فضاء الخرطوم متلبساً بتلك الرائحة.

وتعزيزاً للشفافية، يُمكن اعتماد بروتوكول دولي جديد:

الخطوة الأولى: افتح النافذة.

الثانية: خذ نفساً عميقاً.

الثالثة: إذا لم تسعل، فالحرب الكيميائية كذبة.

الرابعة: إذا سعلت، أعد الاختبار.

أما العينات، وبقايا الذخائر، والسجلات الطبية، وشهادات الشهود، والتحليل الكيميائي، فكلها تعقيدات بيروقراطية اخترعها أناس لا يثقون بأنوفهم.

وفي المؤتمر الصحفي الختامي، يقف المسؤول شامخاً ويعلن: “لقد أرسلنا صحفيين إلى الشوارع. شمّوا الخرطوم كلها. لم يجدوا الكيماوي.”

صفّقوا للأنف الوطني.

ويبقى سؤال صغير، لكنه مزعج: ماذا لو كان السلاح قد استُخدم في مكان آخر، وفي وقت آخر، وتبددت آثاره قبل الجولة الصحفية؟

لا بأس.

أعيدوا الصحفيين غداً. فالتحقيق العلمي الحقيقي لا يحتاج إلا إلى رئتين صادقتين، وأنف لا يخون.

وهكذا، بعد قرون من الكيمياء والطب الشرعي والمختبرات، استعاد العالم ثقته بأبسط أدوات المعرفة: الأنف.

فلا داعي بعد اليوم لإضاعة الوقت في جمع العينات وتحليلها، أو البحث عن بقايا الذخائر، أو فحص أجساد الضحايا. يكفي أن نرسل صحفياً، ونطلب منه أن يأخذ نفساً عميقاً، ثم يقرر.

فإن لم يجد شيئاً، فالقضية محض افتراء كذوب. وإن وجد، فربما كانت تلك رائحة صادر عن تسريب أسطوانة غاز في بيت الجيران.

هكذا ينتصر الدليل العلمي أخيراً: ليس بما يثبته المختبر، بل بما لا يشمّه الصحفي.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
error: النسخ ممنوع