مقالات

تضليل وكذب

خالد عمر يوسف

يحاول البعض تبرير الكارثة التي تعيشها البلاد اليوم، بتصوير الحرب كأنها قدر هبط من السماء بغتة، لا نتيجة مباشرة لقرارات وأفعال إجرامية اتخذها أشخاص معروفون، يجب تحميلهم مسؤولية ما أوقعوه بالبلاد من خراب.

وعليه، ولندرك كيف وصلنا إلى هذا الدرك السحيق، فلنعد قليلاً إلى الوراء.

تكوين الدعم السريع كان قراراً اتخذه البشير وأجازه برلمان المؤتمر الوطني، ليكون أداة يقمعون بها الحركات المسلحة المطلبية في دارفور.

حين قامت الثورة وأطيح بالبشير، شكّل الجنرالات المجلس العسكري وأسندوا لحميدتي موقع نائبه وقائد وفدهم التفاوضي، ومن ثم نفذوا سوياً فض الاعتصام بقرار اتخذته ونفذته قيادات الجيش والدعم السريع وعناصر النظام البائد.

إلغاء المادة الخامسة المتعلقة بتبعية الدعم السريع للجيش، وزيادة وتيرة تجنيده وتسليحه، تمت بقرارات مباشرة من البرهان، وبعضها كان حتى من دون علم بقية قيادة الجيش.

إثارة القلاقل خلال الفترة الانتقالية، واختلاق الأزمات وصولاً إلى إغلاق الشرق واعتصام القصر، كانت بترتيب من قيادات القوات المسلحة والدعم السريع وعناصر النظام البائد.

الانقلاب على الفترة الانتقالية، حين كان السودان يشهد استقراراً وخطوات ملحوظة إلى الأمام، تم بواسطة قيادات القوات المسلحة والدعم السريع وعناصر النظام البائد.

الأزمة التي حدثت داخل معسكر الانقلاب، والتصعيد الذي أعقبها، بما فيه حشد عشرات الآلاف من المقاتلين داخل الخرطوم، كانت تحت سمع وبصر، وبقرارات من قيادات القوات المسلحة والدعم السريع.

كان الاتفاق الإطاري فرصة كبيرة للوصول إلى حل سلمي للقضايا مثار النزاع، وعلى رأسها قضية تعدد الجيوش، من دون إراقة قطرة دم واحدة.

قام عناصر النظام البائد بالتعبئة ضده وأشعلوا الحرب، مستغلين حالة الاستقطاب بين القوات المسلحة والدعم السريع وقتها، وكان ذلك قرارهم وتخطيطهم وعملهم.

تم توقيع اتفاق جدة بعد ثلاثة أسابيع فقط من بداية الحرب، وحينها لم تمتد المعارك حتى إلى أطراف الخرطوم.

لكن الطرفين تثاقلا عن تنفيذ بنوده، وانسحب وفد القوات المسلحة في نهاية المطاف من المباحثات.

تم توقيع اتفاق المنامة في يناير 2024، وكانت الحرب وقتها في بداياتها ولم تشهد ذات الحجم الحالي من الانتهاكات والتشابكات الخارجية.

انسحب منه البرهان بعد توقيعه، بل وأنكر حقيقته، وقاد دعاة الحرب حملة ضد نائب القائد العام الذي قاد التفاوض آنذاك.

جاءت مبادرات عديدة عقب ذلك لوقف إطلاق النار، مثل منبر ALPS في جنيف، ومبادرة الرباعية، وما تلاها من مفاوضات في واشنطن ومباحثات غير مباشرة بين الطرفين، حتى أعلن الوسيط الأميركي مؤخراً أن قيادة القوات المسلحة رفضت كل مقترحات الهدنة، رغم الأخذ بملاحظاتها.

ما اعتلى البرهان منبراً إلا وأعلن أنه سيواصل الحرب حتى النهاية، ولن يقبل أي وقف لإطلاق النار، وكشف هو ورفيقه ياسر العطا مؤخراً عن مخططاتهما للاستمرار على سدة الحكم لعقود قادمة.

بعد كل ذلك، يريد هؤلاء أن يقنعوا الناس بأن هذه الحرب الإجرامية مفروضة فرضاً ولم تكن خياراً. هذا كذب بواح .. فتهيئة الظروف المواتية لإشعال الحرب، وإطلاق رصاصتها الأولى، ورفض أي حل سلمي يوقف النزيف، كلها كانت قرارات اتخذتها مجموعات محددة، ودفع ثمنها الشعب السوداني من دمه وماله وحياته.

تهيئة ظروف الحرب وبدايتها كانت خياراً اتخذه النظام السابق للعودة إلى السلطة، والانخراط في الحرب كان خياراً دخل فيه طرفا القتال وارتكبا جرائم مريعة.

ورفض أي حل سلمي كان خياراً اختاره معسكر محدد صارت الحرب مصدر تكسب لمشروعه السلطوي.

وقف الحرب هو المدخل لحل الأزمة التي يعيشها أهل السودان حالياً، ومن يعوق هذا المسار عليه أن يتحمل مسؤولية ما يحدث، عوضاً عن محاولة تضليل الناس والكذب عليهم.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: النسخ ممنوع