ثم أربعٌ .. وما خفي من الأرقام أعظم؟!

الجميل الفاضل

لم نمضِ حقباً، لكننا حين ارتددنا على آثارنا، اكتشفنا أن لهذا السفر حساباً آخر.

ثلاثون، ثم عشرة، فإذا بالثلاثين والعشر تتمّان أربعين من التيه حول هذا المعنى، لا حول المكان.

ثم جاءت سبعٌ عجاف، فدخل السودان بئر يوسف، وأكلت السنابلُ نفسها، وصار الخراب كتاباً مفتوحاً على ما خفي عنا طويلاً.

بيد أننا لم نكن نعرف، ونحن نعدّ، أن الأرقام قد تكون أبواباً: ثلاثون باباً للتيه، وعشرةٌ لوميض الخروج، وسبعٌ لبرهان الامتحان، ثم أربعٌ أخرى نطلّ منها على ما لا نعرف.

لا نضعها في سلة الغيب، ولا نسمّيها وعداً، لكنها قد تراءت لنا من بعيد هكذا، كأنها آخر أربعة أبواب أو عتبات قبل أن يتغيّر اسم هذا الطريق نفسه.

في الثلاثين كان السودان ينأى عن ذاته، وفي العشرة مرّ ديسمبر في الشوارع كأن قصيدة مترعة بالجمال قد خرجت من ورق أصفر ومشت في الزحام.

ثم جاءت السبع، سبع يوسف العجاف.

ومن قاع البئر، جاء سؤال محجوب شريف الذي كان قد سبقنا بخطوة مخاطباً: «حتى اللسّه قبل الخلق والتكوين؟»

كان يسلّم على جيلٍ لم تأتِ ساعته، صبايا وفتية، برق عيونهم لمّاح وسؤالهم ردّ، ينسجون خيوط الشمس ليصبحوا كما أسماهم: «كهربجية الظلمات».

ثم جاء محمود محمد طه، فلم يقل لنا كم أعمارهم، إنما قال كيف تكون أرواحهم: «جيل قويّ الأسر، قويّ الأخلاق، قويّ العزم على مناصرة الحق.»

هنا انكشف لي الرقم قليلاً؛ فالجيل ليس عدداً من السنين، الجيل هو ما يكتمل في الإنسان.

لكن الآن بقيت الأربع.. وهل هي أربعٌ لا نعرف ماذا تفعل بالزمن، أو ماذا سيفعل بها الزمن؟

لكننا نعرف ماذا تفعل بنا مثل هذه الأسئلة الحائرة.

أربعٌ لعلها تكفي كي نرى أن سنار لم تكن وراءنا تماماً، وأن محمد عبد الحي لم يقل: عودوا إلى الماضي حين قال: «أنا منكم… تائهٌ عاد»، قبل أن يطرق عليّ ذات الباب قائلاً: «افتحوا للعائد الليلة أبواب المدينة.».

كأن العائد الحقيقي لا يأتي من الخلف، وكأن الباب يُفتح إلى الأمام.

ولذلك، عندما ارتددنا على آثارنا قصصاً، وجدنا أن الثلاثين والعشر والسبع والأربع ليست أرقاماً فقط؛ إنما هي آثار أقدام في تيه، ثم ومضة، ثم بئر، ثم أفق.

وما بين البئر والأفق يمشي السودان وهو لا يدري: هل الأربع فقط هي ما بقي من الطريق؟ أم ما بقي منا نحن ذاتنا على هذا الطريق؟

قد لا يحدث شيء في الموعد الذي تصوّرناه، وقد يحدث كل شيء في لحظة أخرى لا نعرف لها تاريخاً.

لكنني بعد هذا السفر، صرت أخاف من شيء واحد فقط: أن نصل إلى الباب، ولا نعرف أنه الباب.

فأسمع عبد الحي يقول: «افتحوا»، وأسمع محجوباً يسلّم على الذين لم يُخلقوا بعد، وأرى محموداً يضع في أيديهم ثلاث مفاتيح ذهبية.

ثم أسمع الماء، والحوت الذي ضاع من المسافر حين بلغ مجمع البحرين، ذلك الحوت الذي اتخذ سبيله من قديم الزمان في البحر عجباً.

وربما، بعد أربعٍ أخرى، لا يمضي الحوت وحده وهو يتخذ سبيله هذه المرة في البحر سرباً.

وعندها فقط قد نعرف: أن السنوات الأربع لم تكن تنتظر انقضاءها، ربما كانت هي أربعة أبوابٍ ننتظر أن نتعلّم فتحها.

وحين يُفتح الرابع منها، لن يعود السودان في ظني إلى سنار، بل ستعود سنار إليه.

وحينها .. ربما نشمّ رائحة أحرف أخرى فنرتاح قليلاً أو كثيراً.

Exit mobile version