من أكثر المغالطات رسوخاً في وجداننا الفني، أننا نتعامل مع أغنية الحقيبة باعتبارها المقياس النهائي للأغنية السودانية، وأن كل ما عداها خروج عن الأصالة. وهذا فهم يحتاج إلى مراجعة.
الحقيقة التي يجب أن نقر بها بلا خوف، هي أن الحقيبة ليست كل تاريخ الغناء في السودان، بل هي حلقة مهمة في سلسلة طويلة.
الحقيبة هي منتج أم درماني خالص، يمثل ذائقة الوسط النيلي في فترة معينة.
وهذا حق مشروع. لكن تحويل منتج أم درمان إلى “مقياس قومي” هو إقصاء غير مقصود لبقية السودان.
جاءت الحقيبة عقب فترة حرجة ومظلمة، هي نهاية الدولة المهدية التي قمعت الفنون وحرمت الطرب واعتبرت الغناء من المنكرات. جاءت في فراغ فني كبير بعد أن أسكتت الطبول والسيوف صوت الطنابرة والدوبيت.
وهنا يكمن فضلها الذي لا ينكره أحد. شعراء الحقيبة ومغنوها- سرور، كرومة، خليل فرح، أبو صلاح، سيد عبد العزيز – هم من أسسوا البنية التحتية للأغنية الحديثة. نقلوا الغناء من خشم الباب إلى المسرح، ومن الشفاهية إلى التدوين، وفصلوا بين وظائف المؤلف والملحن والمغني، وخلقوا الكورس “الشيالين”.
وهذه المرحلة هي التي مهدت للكاشف ووردي وعثمان حسين وكابلي. وحق التأسيس هذا محفوظ لها إلى الأبد.
ثقافة معظمهم كانت من الكتب الصفراء، من مقامات الحريري والموشحات الأندلسية. لذلك امتلأت نصوصهم بوصف الورود والياسمين والنرجس والروض، في بيئة أم درمانية قديمة كانت تفتقد للحدائق الغناء، بيئة تراب وغبار وشوارع مجدبة، العلامة البارزة فيها مرابط الخيل والحمير. هم لم يصفوا أم درمان التي أمامهم، بل وصفوا الحديقة التي قرأوا عنها في الكتب.
كما امتلأت نصوصهم بالزخارف اللغوية كالسجع والجناس والطباق. وهذا لا يمنع من أن بعضهم أبدع في وصف البيئة الحضرية البسيطة التي توفرت، في حي المسالمة والأقباط.
الاستثناء الوحيد الذي يؤكد هذه القاعدة هو خليل فرح. هو الوحيد الذي ظهرت في شعره شوارع وروائح البيئة المعتقة. “في الضواحي وطرف المداين” وصف الطبيعة السودانية الحقيقية لا المتخيلة، وفي “ماهو عارف قدمو المفارق” وصف أم درمان الحقيقية بمحطاتها وغبارها ومجالس أنسها و”كاساتها”، لا أم درمان الروض المتخيّل. لذلك هو بحق من سودن الحقيبة.
القيم الجمالية نفسها تغيرت. شاعر الحقيبة كان يعيش في زمن الاحتجاب، حيث المرأة غائبة لا تُرى، فكان أقصى أمانيه أن يتسول نظرة: “نظرة يا السمحة أم عجن”. جماله كان جمال الحرمان والخيال.
اليوم خرجت المرأة إلى الشارع والجامعة والمصنع، وأصبحت حاضرة بقوة، فانقلبت الصورة. أصبح الشاعر الحديث يقول “أمسكي عليك عيونك ديل”.
شاعر الأمس يتألم لأنه لا يرى، وشاعر اليوم يتألم لأنه يرى كثيراً. ولكل زمن جماله وقيمه، ولا يمكن أن نحاكم زمناً بقيم زمن آخر.
لذلك نقترح التعامل مع الحقيبة بمنهج علمي يضعها في مكانها الصحيح: نحفظ لها حق التأسيس، ونسحب منها وشاح التقديس.
وللأمانة، فإن الحقيبة نفسها ليست كتلة واحدة، بل هي ثلاثة أشكال:
أولاً: أغنيات خالدة، تصلح لكل زمان ومكان، لأنها تغنت بالفكرة والعاطفة الصادقة لا بالملهمات المتخيلات، مثل “عزة في هواك” و”على النجيلة جلسنا” و”لحظك الجراح” وغيرها عشرات الأغنيات، هذه نأخذها معنا.
ثانياً: أغنيات عادية جداً، كانت تملأ ليل الحفلات ولا تحمل جديداً، وهذه سيطويها الزمن بطبيعته.
ثالثاً: أغنيات وأشعار ركيكة، فيها ضعف لغوي وحشو وتكلف، ويجب أن نعترف بركاكتها دون مسحة تقديس. فلا يعقل أن نصف فم المحبوبة بقولنا “هل ديل سنون أم رز كبار”؟ ومن الوصف القبيح أن تمدح فتاة بأنها “عجوة معطونة في عسل”! فالنقد لا يهدم التراث، بل يحمي الجيد منه من الاختلاط بالرديء.
إن التجديد الواعي هو الحل، كما فعل محمد الأمين في “بدور القلعة” ووردي في “قسم بمحيك البدري” وعبد العزيز داؤود باختيارات البروفيسور علي المك، تجديد يحافظ على الروح ولا يطمس الأصالة. أما أداء الحقيبة بالأوركسترا الضخمة دون تعمق في روحها، فهو يسلبها أهم ما فيها: لونيتها وإيقاعها الداخلي.
وأخيراً، هذا هو الدور الحقيقي الذي يفترض أن يقوم به خريجو قسم النقد بكلية الموسيقى والدراما والمعاهد الفنية ذات الصلة. دورهم ليس أن يكونوا سدنة يحرسون ضريحاً، بل نقاداً يحللون ظاهرة، يفككونها، يضعونها في سياقها التاريخي والجمالي، ويقولون ما لها وما عليها.
يجب أن يتم تشريح الحقيبة في معامل الأكاديمية، لا أن تُعبد في الضريح.