دكتور الواثق كمير : ثلاث مقالات وأسبوع واحد… المسافة النقدية بين اللجنة والدولة

عبدالمنعم الجاك

تابعتُ، كما تابع غيري، الرحلة الفكرية لأستاذي دكتور الواثق كمير عبر ثلاث مقالات في نحو أسبوع: من “القرب من البندقية”، إلى “لا حوار يهرب من الحرب”، وصولاً إلى “قبل الحوار بخطوة”.

وأعترف أن في الأمر مهارة نادرة: أن يكتب المرء عن مساءلة الذات وهو يمارس، في الوقت نفسه، أرقى فنون الدفاع عن الذات، وعبرها الدفاع عن لجنة تهيئة/ تهوية الحوار.

ولا يسعني، وأنا أكتب هذا النقد، أن أتجاوز حقيقة أن دكتور الواثق ليس صوتاً عابراً في الفضاء الوطني، بل هو من ممن مثّلوا نموذج الأكاديمي والمثقف العضوي، على قول غرامشي، في فضائنا. فمن نقابة أساتذة جامعة الخرطوم وجبهة الهيئات ضمن قيادة انتفاضة مارس/أبريل منتصف الثمانينات، إلى قيادته الجهد الفكري والسياسي في ندوة “أمبو” الشهيرة والتي حاولت الجمع بين السودانات الثورية الديمقراطية المتعددة على طاولة واحدة، إلى حضوره جنباً إلى جنب رفيقيه منصور خالد وبيتر أدوك مع الآخرين في رسم مسارات السلام الشامل في نيفاشا، وصولاً إلى إسهامه في تطوير خطه مفاوضات سلام المنطقتين بعد تجدد الحرب في 2011 – هذا كله رصيد نادر لا يملكه كثيرون، ويجعل الأدوار التي يلعبها والكلمة التي يخطها اليوم محل اعتبار واهتمام يفوق الكثيرون.

أن مقالات دكتور الواثق الثلاث تشترك جميعها في هَمٍّ واحد: الدفاع عن مسافة نقدية بين المثقف والسلطة، وبين المثقف والبندقية، وبين اللجنة والدولة.

وهذا الهمّ، في ذاته، مشروع ومهم، ويستحق أن يُؤخذ بالجدية. لكن قراءة المقالات الثلاث معاً، بترتيبها، تكشف عن مفارقة تستحق التوقف: فكلما اقترب دكتور الواثق من موضوعه، ابتعد عن موقعه فيه.

 أولاً: مسافة يطلبها من الآخرين قبل أن يطلبها من نفسه

في المقال الأول، يكتب دكتور الواثق عن ضرورة أن يحتفظ المثقف بمسافة نقدية حقيقية عن القوة او السلطة التي يستند إليها، مهما كان نبل الرؤية التي يستند عليها. وهذا معيار صارم وعادل. لكن حين ننتقل إلى مقاليه التاليين، حيث يتحدث عن “لجنة تهيئة الحوار”، يختفي هذا المعيار الصارم فجأة، ليحل محله معيار أكثر تسامحاً بكثير: أن اللجنة “لا تزال في مرحلة الاختبار”، وأن الحكم عليها “سابق لأوانه”. فالمعيار الذي طُبِّق بصرامة في المقال الاول، يُطبَّق بتساهل ملحوظ على تجربته الحالية، رغم أن موقعه من اللجنة أوضح وأقرب من موقع أي طرف آخر تحدث عنه.

 ثانياً: من يحاكم المشروعية وهو طرف فيها؟

في مقاله الثاني، يفرّق دكتور الواثق، بحق، بين وقف الحرب والمسار السياسي، ويدعو إلى مسارين متوازيين. لكن حين يصل إلى مقاله الثالث، رداً على المهندس عمر الدقير، يتحول الحديث عن “التوازي” إلى دفاع مباشر عن اللجنة التي تغفل رسمياً، حتى الان، هذا التوازي، حيث يتحدث: عن نيتها، وحدود مهمتها، واستقلاليتها. وهنا يبرز سؤال لا يمكن تجاوزه: هل يملك عضو أساسي في لجنة أن يكون هو نفسه الحكم على مشروعيتها واستقلاليتها؟ فالمشكلة ليست في الدفاع عن اللجنة، وهو حق مشروع لأي عضو فيها، بل في تقديم هذا الدفاع بلغة المحايد لا بلغة الطرف. فحين يكتب: “استقلال اللجنة يُختبر في ممارستها”، وهو ضمن من يصيغ تفاصيل تلك الممارسة، وضمن من صاغ المسافة والمساحة واللغة بين اللجنة والدولة، نجحت اللجنة أم لم تنجح بعد؟

 ثالثاً: جدلية اللجنة والدولة والنسب التائه

في رده على المهندس الدقير، يقبل دكتور الواثق أن يناقش تفاصيل عمل اللجنة: من تستمع إليه، وكيف تتعامل مع القوى الأخرى- صانعاً للضفاف بينها والآخرين، وما حدود علاقتها بالوسطاء. لكنه يتجنب سؤالاً أسبق من كل هذه التفاصيل: من أسّس هذه اللجنة أصلاً؟ وبأي توافق وطني؟ وأين تعمل؟ وبأي تمويل؟ ولمن تملك تفسير حساباتها وخطوها؟

فلجنة تُعلن عن نفسها، دون أن تستند إلى أي عملية تأسيس معروفة أو توافق سوداني واسع، تظل مفتقرة للمصداقية، وتعبّر، بحكم نشأتها، عن امتياز خاص بمن أسّسها أو وافق على تأسيسها، لا عن تفويض شفاف. ولجنة كهذه، مهما حسنت نيتها، ترتهن بحكم الواقع لمن دعاها ويسخّر لها إمكاناته، فتتحول إلى مطيّة لتحقيق أهداف من شكّلها أو سمح بتشكيلها. وهذا سؤال لا يُحسم بحسن النوايا، بل بحقيقة موضوعية: من قرر أن هذه اللجنة، بالذات، هي التي تتحدث باسم “تهيئة/ تهوية” مناخ الحوار.

فحين يكتب دكتور الواثق أن اللجنة “لا تحدد المشاركين، ولا تضع الأجندة”، فهو يصف نفياً لسلطتها لا إثباتاً لشرعيتها. فانعدام السلطة لا يعني بالضرورة وجود التفويض. وسؤال المصداقية والتأسيس يبقى معلقاً بصرف النظر عن حدود صلاحياتها المعلنة.

وهنا تستحق جدلية العلاقة بين “اللجنة” و”الدولة” وقفة أطول، لأن دكتور الواثق وعدداً من عضوية اللجنة، أشاروا في أكثر من مناسبة إلى طبيعة هذه العلاقة، فتحدثوا حيناً عن “دعم الدولة” لجهدهم، وحيناً عن “ضمانات” تقدمها، وكأن الدولة هنا مرجعية إجرائية محايدة لا طرف في الصراع. والمفارقة أن هذه “الدولة” بعد 15 ابريل 2023 قد فقدت شرعيتها وتفككت، ولا تحتكم فعلياً سوى على مناطق سيطرتها في ظل وجود أربع “سودانات” أخرى قائمة فعلياً، تحتكم على جغرافيا وسكان وحدود، ومع ذلك، وهي في هذا التفكك والهشاشة، ظلت تعمل، طوال أكثر من ثلاث سنوات على تغليب كفة الحسم العسكري، وفشلت في ذلك فشلاً موثقاً بالوقائع. كما دأبت على إجهاض أي جهد لوقف إطلاق النار، حتى لهدنة إنسانية لتسعين يوماً فقط، تتيح لشرايين الغوث الإنساني أن تصل إلى ملايين الضحايا. فكيف يستقيم أن تمثل هذه الدولة، في علاقتها المستترة او الصريحة، مرجعية للجنة تهيئة مناخ الحوار، وصاحبة الضمانات التي يدعونا دكتور الواثق لأخذها بالجدية، أو ان تكون مصدراً لتحديد مكان الحوار؟ إن الاعتراف بتفكك الدولة وفقدانها الشرعية، او حتى الاكتفاء بانها سلطة للأمر الواقع في الجغرافيا التي تحتكم هو ما يحدد مصداقية واستقلالية لجنة تهيئة الحوار من عدمه.

رابعاً: حوار لا يتسع لأصحاب القضية الأصيلين

ثم إن أي حوار، مهما حسنت تسميته، لا يمكن أن يعبّر عن السودان ما دامت قطاعات واسعة من المجتمع، وفي مقدمتها المتضررون مباشرة من الحرب، والنازحون واللاجئون، و”المتعاونون والحواضن” من السودانيون(ات)، وقوى الثورة من صمود والجذريون وما بينهما، وقوى تحالف تأسيس ناقص قوات الدعم السريع، بعيدون عن مراكز قوة ذلك الحوار، خارج دائرة التأثير والتأثر الحقيقي في تصميمه ومساره وبالتالي نتائجه. فعن أي حوار تتحدث لجنة تهيئته ترفضه او يقصي تلك الجموع وقواها المدنية والسياسية. هذه قضايا واسئلة عن الناس، لا تقل أهمية عن سؤال “من يشارك”، بل تسبقه: من يملك تصميم العملية أصلاً، ومن يقرر من يُستشار ومتى وكيف واين؟ وحين تغيب الإجابات الواضحة، يصبح الحديث عن “الاستماع إلى الفرقاء” حديثاً عن كرمٍ إجرائي لا عن مشاركة حقيقية في قرار سيرورة الوطن.

 خامساً: الفصل الذي يرفضه دكتور الواثق/اللجنة نظرياً، ويُمارس عملياً

يكتب دكتور الواثق، بحق، أن الفصل بين وقف الحرب والمسار السياسي خطأ. لكن حين يدافع عن اللجنة بوصفها جهداً “تهيئوياً فقط” منفصلاً زمنياً وموضوعياً عن وقف الحرب الفعلي، فهو يعيد إنتاج الفصل نفسه الذي حذّر منه. فأي مسار سياسي لا يجعل الوقف الفوري للحرب وحماية المدنيين ومعالجة الكارثة الإنسانية محوره الأول والشرطي، يخاطر بأن يتحول إلى مسار موازٍ للحرب، لا طريقاً إلى وقفها وإنهائها. وهذا بالضبط ما يجب أن يُسأل عنه أي عضو في أي لجنة تهيئة، لا بوصفه اتهاماً، بل بوصفه معيار نجاح أو فشل، بان يكون واضحاً عند التخطيط وقبل الانطلاق.

سادساً : من صاغ “المفاوضات” الندية بالأمس، لماذا يشرعن “الحوار” اليوم” ؟

ثمة مفارقة أعمق من مجرد تعارض بين موقعين، تستحق أن تُقال بصراحة: فدكتور الواثق كمير ليس غريباً عن هندسة عمليات السلام، بل هو من ضمن أكثر من عرفهم الشأن السوداني إلماماً بها، إذ كان من القلائل الذين صاغوا المواقف التفاوضية للحركة الشعبية لتحرير السودان في مفاوضاتها حول السلام في المنطقتين مع الحكومة والدولة السودانية، في ظل حرب أقل بمراحل عديدة من حيث حجم الكارثة وعمق التفكك مما تعيشه البلاد اليوم مع حربها الجديدة. يومها، لم يكن دكتور الواثق طرفاً يكتفي بالمراقبة النظرية لمفهوم “التفاوض”، بل كان من صانعي أدواته وشروطه وقضاياه ومراحله، ويعرف تماماً الفارق الجوهري بين تفاوضٍ ندّي بين طرفين، تُشرف عليه مظلة خارجية مستقلة وتضبطه مراحل وتسلسل معروف، وبين “حوار” فضفاض يُصاغ داخل بيت أحد طرفي الصراع وتحت شروطه.

وهذه المعرفة الدقيقة، بالضبط، هي ما يجعل موقفه الحالي أكثر إثارة للتساؤل: فمن عرف عن قرب كيف تُصاغ مواقف تفاوضية جادة في مواجهة دولة بأجهزتها القمعية والحربية، هو اليوم من بين من يمنحون الشرعية الفكرية لذات الدولة، بأدواتها وأجهزتها نفسها التي لم تتغير كثيراً، وهي تطرح على السودانيين ما تسميه “حواراً” بدلاً من عملية تفاوض جادة حول سلام عادل وشامل.

فإذا كانت مفاوضات الأمس، في حرب أقل حدة، قد استحقت منه كل تلك الدقة والصرامة المنهجية في التمييز بين التفاوض والاستسلام لشروط طرف ما، فلماذا يتساهل اليوم، في أزمة أشد تعقيداً وأكثر دموية، مع مصطلح “الحوار” الذي يطمس هذا التمييز عمداً، ويُعيد تصوير الحرب المدمرة كأنها خلاف سياسي يُدار بالمساومة، لا كارثة وطنية كبرى تستوجب عملية سلام متكاملة، تبدأ بوقف حقيقي للعدائيات، وتُدار بمنطق التفاوض الندّي تحت مظلة مستقلة، لا برعاية من هم أطراف في الحرب؟

Exit mobile version