صاحبة (قواعد العشق الأربعون): إليف شافاق .. من ضفاف الحكاية إلى ذاكرة التراث
الدوحة - مشاوير : مجدي علي
في الثامن عشر من سبتمبر الجاري أعلن المركز الوطني للثقافة في البرتغال، بالتعاون مع منظمة (أوروبا نوسترا)، فوز الروائية التركية البريطانية إليف شافاق بجائزة (هيلينا فاز دا سيلفا الأوروبية للتوعية بالتراث الثقافي) لعام 2026، على أن تتسلمها في الخامس من نوفمبر في مؤسّسة كالوست غولبنكيان بلشبونة.
خبرٌ يبدو مألوفاً، لكن في اختياره مفارقة تستحق التأمل. فالجائزة، التي أُسّست عام 2013 باسم الصحافية والكاتبة والناشطة الثقافية البرتغالية هيلينا فاز دا سيلفا، تُمنح لمن عرّف بالتراث الأوروبي ودافع عنه، وقد ذهبت هذه المرّة إلى روائية لم ترمّم أثراً ولم تُشيّد متحفاً. وقبلها نالها الإيطالي كلاوديو ماغريس والتركي أورهان باموق والمخرج الألماني فيم فيندرز والمؤرّخة البريطانية بيتاني هيوز. وكأنّ اللجنة تقول إن التراث ليس ما تحفظه الجدران وحدها، بل ما تحفظه الحكايات أيضاً.
وقد علّلت اللجنة اختيارها بإسهام شافاق في صون التراث الأوروبي، المادي وغير المادي؛ فكتاباتها، بحسب بيانها، تستعيد تعقيد الذاكرة والهوية، وتصل الماضي بالحاضر والمستقبل بخيال خلّاق، وتمنح صوتها لتواريخ وتقاليد ووجهات نظر متعدّدة. وقالت شافاق إن للجائزة عندها مكانة خاصة لالتزامها برفع الوعي بالتراث الثقافي والأدبي، وهو التزام صار أشدّ إلحاحاً في عالم منقسم.
لماذا تستحقها؟
الجواب في أعمالها نفسها. ففي كل رواية كبرى لها أرضٌ سُكت عنها، وذاكرةٌ تعيدها إلى الحياة بحكاية. في (لقيطة إسطنبول) (2006) تلتقي أسرتان، تركية وأرمنية، حول ماضٍ ثقيل تتوارثه النساء تلميحاً وصمتاً، وقد كلّفها الكتاب محاكمة بتهمة “إهانة الهوية التركية” بموجب المادة 301 من قانون العقوبات، قبل أن تُبرَّأ. وفي (جزيرة الأشجار المفقودة) (2021) تقف قبرص المنقسمة بين لندن وحكاية شجرة تين تشهد على الحب والحرب معاً.
وفي (هناك أنهار في السماء) (2024) تتصل بلاد الرافدين بلندن عبر أزمنة متباعدة، ويستدعي السرد ملحمة جلجامش والتاريخ الإيزيدي.
وفي (قواعد العشق الأربعون) تعود إلى القرن الثالث عشر لتقرأ لقاء جلال الدين الرومي وشمس التبريزي بعين امرأة معاصرة.
يجمع هذه الأعمال خيطٌ واحد: أن التراث عند شافاق ليس رفّاً من المقتنيات، بل ذاكرة حيّة متعدّدة الأصوات، وأن أنجع وسيلة لحفظها أن تُروى. وهذا هو التراث غير المادي الذي أشار إليه بيان الجائزة. تقول شافاق إن “المصالحة الكاملة مع الماضي متعذّرة لأنه مؤلم، لكن معرفته والاقتراب منه ضرورة، وإن الأمهات والجدّات هنّ من ينقلنه إلى الأجيال، كلٌّ بحسب هواه”؛ ولهذا ترى أن “دور الأدب أن يصل الماضي بالحاضر وهو حرّ”.
سيرة العبور
وُلدت شافاق عام 1971 في ستراسبورغ الفرنسية، لأب أستاذ في علم النفس الاجتماعي وأم صارت لاحقاً دبلوماسية، هي شفق أطمان، ومن اسمها استمدت اسمها الأدبي. نشأت في رعاية أمّها وتنقلت معها بين بلدان عدة، وأقامت في إسبانيا أربع سنوات منها، قبل أن تعود إلى أنقرة. وتحكي شافاق أنها نشأت طفلة وحيدة تميل إلى الكتابة أكثر من اللعب، وأن اللغة كانت أول ما واجهته في تنقّلها؛ لم تكن تفهم لغة الشارع ولا النكات، فأصرّت في إسبانيا على تعلّم التركية قراءةً وكتابة، وتذكر أن أولى الكلمات التي عرفتها كانت كلمات الترحيب بالآخر. وربما لهذا كبرت وفي نبرتها ميل إلى الجسور لا الجدران.
تحمل شافاق شهادة الدكتوراه في العلوم السياسية، ودرّست في جامعات في تركيا والولايات المتحدة وبريطانيا، وهي زميلة فخرية في كلية سانت آن بجامعة أوكسفورد. وتكتب بالتركية والإنجليزية وتقيم في لندن، وتترأس منذ ديسمبر 2025 الجمعية الملكية للأدب. وكانت (بينهان) روايتها الأولى، وفيها بدأ ولعها بالتصوّف الذي تقول إنه فتح في عقلها وقلبها نافذة جديدة.
شهرة ومساءلة
صدر لها حتى اليوم 21 كتاباً، منها 13 رواية، ترجمت إلى 58 لغة. وبلغت (10 دقائق و38 ثانية في هذا العالم الغريب) القائمة القصيرة لجائزة بوكر عام 2019، وبلغت (جزيرة الأشجار المفقودة) القائمة النهائية لجائزة المرأة للرواية، ونالت جائزة هالدور لاكسنس الدولية وميدالية الأكاديمية البريطانية، ووسام الفنون والآداب الفرنسي برتبة فارس.
وقد عرفها القارئ العربي عبر الترجمة؛ وتقول إنها لا تجيد العربية، وإن أصداء نجاحها تصلها عبر دور النشر.
غير أن الشهرة لا تعفي من المساءلة. فالمحاكمة التي واجهتها في 2006 تذكّر بأن الكتابة عن الماضي المحرّم لها ثمن. وعلى الصعيد الأدبي، يأخذ عليها بعض النقاد أنها قدّمت في (قواعد العشق الأربعون) صورة مخفّفة للتصوّف، كما تناولت دراسات أكاديمية ما سُمّي (ظاهرة الرومي) بين الاستشراق والكوسموبوليتية.
لكن باحثاً صوفياً يقول إن الرواية جعلت الحديث عن الرومي وخلفيته الروحية مألوفاً بين معارفه بعد أن كان مقصوراً على قلّة. وبين الرأيين تتضح حقيقة تخدم الجائزة نفسها: أن الحكاية الجماهيرية قد تفتح الباب على تراث كان مغلقاً، وإن تركت لأهل الاختصاص مهمّة الدقّة.
ما تقوله الجائزة
لا تكرّم الجائزة كتاباً بعينه بقدر ما تكرّم فكرة: أن الأدب من أنفذ الطرق إلى تراث تتنازعه الحدود والسرديات الرسمية. وكاتبة وُلدت في ستراسبورغ، ونشأت متنقّلة، وكتبت بلغتين، تعرف أن الهوية جسر لا جدار.
وحين تصعد شافاق إلى منصّة لشبونة في نوفمبر، فإنما تتسلّم تكريماً لحكايات كانت على الهامش، وللمعنى الذي تحمله عبارة اللجنة، أن الدفاع عن التنوّع الثقافي والتضامن وحقوق الإنسان دفاع عن ذاكرة مشتركة لا تخصّ أحداً وحده.