تطويق الصراع في السودان!!

أشرف عبدالعزيز

تكشف التحركات الأخيرة في أروقة الأمم المتحدة، وتحديداً التصريحات الحاسمة التي أدلى بها وزير الخارجية البريطاني إد ميليباند، عن تحول جوهري واستراتيجي في التعاطي الدولي مع الملف السوداني الذي عاد بقوة إلى صدارة الاهتمام العالمي بعد فترة طويلة من التهميش السياسي والنسيان الإعلامي.

إن التوافق البريطاني الأمريكي المتزايد الرامي إلى توسيع نطاق حظر الأسلحة ليشمل كافة أراضي السودان بلا استثناء، بدلاً من اقتصاره التاريخي المحدود على إقليم دارفور، يعكس إدراكاً دولياً متزايداً بأن إدامة الحرب وترسيخ انقساماتها يرتبطان بشكل وثيق باستمرار تدفق السلاح والتقنيات العسكرية الحديثة، وعلى رأسها الطائرات المسيرة التي يجري الحصول عليها وتمويلها ونقلها عبر شبكات معقدة عابرة للحدود.

إن هذا التوجه الغربي الصارم نحو فرض خنق عسكري وإستراتيجي شامل على طرفي النزاع يعيد رسم خرائط الضغط الدولي وتوازناته، إذ ينطوي على رسالة واضحة ومباشرة مفادها أن اللجوء إلى خيارات بديلة وتدابير عقابية أحادية أو متعددة الأطراف خارج الأطر التقليدية بات أمراً حاضراً وجاهزاً للتنفيذ، حتى في حال لجوء القوى الكبرى مثل الصين وروسيا إلى استخدام حق النقض الفيتو لحماية طرف بعينه داخل مجلس الأمن. يعتمد هذا الحراك الجديد على منطق شمولية العقوبات وتضييق الخناق المالي والتكتيكي واللوجستي على كافة الأطراف المتصارعة والداعمين الإقليميين لها بلا استثناء، مما سيسحب البساط كلياً من تحت خيار الحسم العسكري الموهوم الذي يرفعه قادة الحرب، ويجبر جميع الأطراف في نهاية المطاف على الرضوخ لالتزامات الهدنة الشاملة والقبول بوقف فوري ودائم لإطلاق النار.

وفي هذا السياق المعقد والمتوتر، تصبح استراتيجيات التعنت السياسي والتحشيد العقائدي التي تتبناها بعض القوى، وفي مقدمتها التيارات الإسلامية المرتبطة بالنظام السابق والتي تراهن على حسم المعركة لصالحها، رهانات خاسرة وغير جديرة بالاستمرار. تتآكل القدرة على المناورة والمكابرة السياسية أمام شواهد الواقع الميداني والاقتصادي المتردي، حيث يفرض الخنق الاقتصادي الشديد الناجم عن توقف عجلة الإنتاج وتدمير البنية التحتية وتجميد الأصول وحظر الواردات واقعاً مأساوياً لا يمكن الالتفاف عليه. يتزامن هذا الانهيار المالي مع تدهور مريع ومأساوي في المنظومة الصحية وارتفاع قياسي في أعداد النازحين واللاجئين الذين تتزايد معاناتهم يومياً في مخيمات تفتقر لشبكات الأمان الأساسية.

تتفاقم هذه الأزمة الإنسانية بصورة غير مسبوقة مع تصاعد التحذيرات البيئية والمناخية المتعلقة بظاهرة النينيو وشح الأمطار، إذ تشير المعطيات إلى نذر جفاف مرتقب وفصول قاحلة تنذر بوقوع مجاعة كبرى على أبواب البلاد، ما يعني أن السودان يقف بالفعل على شفا واحدة من أكبر الكوارث الإنسانية في التاريخ الحديث إن لم تتوقف العمليات العسكرية فوراً.

إن فتح المعابر الحدودية الحيوية كمعبر أدري، وتسهيل التدفقات الإغاثية دون قيود بيروقراطية أو تصاريح أمنية معقدة أو ضرائب تعسفية، لم يعد مجرد مطالب إنسانية ثانوية، بل أضحى شريط حياة أساسياً لإنقاذ ملايين البشر من الموت المحقق جوعاً ومرضاً.

يضع هذا الوضع المأساوي المجتمع الدولي أمام حتمية الانتقال السريع من عبارات القلق والبيانات الشفهية إلى إجراءات عملية حازمة تضمن حماية المدنيين، وتفرض الانتقال السياسي نحو حكومة مدنية مستقلة، وتنهي تماماً سياسة الإفلات من العقاب لكل من تلطخت أيديهم بدماء السودانيين أو أطالوا أمد هذه الحرب لمصالحهم الضيقة.

↑
Exit mobile version