يحاول بعض المتحذلقين من دعاة الحرب أن يثيروا الغبار ليغطوا على الخسارة السياسية الكبرى التي مُني بها البرهان ومعسكره، جراء اتخاذ الولايات المتحدة الأميركية قراراً بحرمانه من دخول أراضيها لحضور الجمعية العامة للأمم المتحدة.
آخر أدوات التعمية التي توصلوا إليها هي تصوير الأمر كانتقاص من “السودان” لا من “البرهان”، وتلاوة بكائيات طويلة حول اختلال النظام العالمي، ومحاولة خلق صورة كاذبة تصور “البرهان” كبطل تحرر وطني وقع ضحية لبطش وظلم “الإمبريالية”. فيا لها من مسخرة!
وللرد على هؤلاء، دعني أولاً أميز بينهم وبين آخرين لهم مواقف واضحة ومتسقة ضد الحرب وأطرافها، وضد الشمولية بكافة أشكالها، ولكنهم يحتفظون بتصور مختلف حول القضايا العالمية. وهذا تباين طبيعي، فالحركة المدنية طابعها الأساسي هو التعدد والتباين واختلاف المشارب الأيديولوجية، وهو أمر لا غبار عليه.
بالعودة إلى “بهلوانيات” دعاة الحرب، فأقول بوضوح إن ما جرى للبرهان لا يمس سيادة السودان بسوء، وهو انتصار لدماء ضحايا كثر سفكها هذا الدكتاتور سعياً لاختطاف الدولة وتوظيفها لصالح مشروعه السلطوي. وموقفنا هذا واحد وثابت لم يتغير، وليس موجهاً نحوه فقط، بل ينطبق على البرهان ورفاقه في قيادة مجلسه الانقلابي، وعلى حميدتي وأي من قادة الدعم السريع.
موقفنا هو أنه لا شرعية تُكتسب بالبنادق. لذا رفضنا انقلابهم حين قاموا بفض الاعتصام، وحين انقلبوا في 25 أكتوبر 2021، ولم ولن نعترف بأي سلطة تنتجها هذه الحرب، أو يشكلها أي طرف من أطراف القتال عنوة وقسراً.
ووفقاً لبوصلتنا ومرجعيتنا هذه، سألخص في نقاط الرد على أباطيل دعاة الحرب التي يبتغون منها مواصلة مهنتهم الأثيرة في التضليل والاستخفاف بعقول الناس.
1- البرهان هو قائد القوات المسلحة، ومهمة الجيوش هي حماية الأوطان وحدودها ودرء المخاطر عنها، لا ادعاء حق الحكم.
فكونها مؤسسة الدولة العسكرية الرسمية لا يمنحها أي شرعية سياسية في السلطة. والانقلاب خروج على النظام الدستوري، وهو الذي يضع من يقومون به في منزلة واحدة مع القوى التي تحتكم إلى السلاح خارج الدولة. مكان البرهان الطبيعي هو مقر القيادة العامة، لا منصة الأمم المتحدة. والمستنكر ليس منعه من الذهاب، بل قبول انقلابه على إرادة الشعب التي عبر عنها في ثورة ديسمبر، وقتله وإقصائه لمخالفيه، ثم ادعائه أنه هو من يمثل الدولة. ذلك هو الباطل بعينه.
2- النظام العالمي ليس عادلاً، بل هو نفسه نتاج توازنات القوى التي خلفتها الحرب العالمية الثانية بغلبة السلاح، وبه اختلالات كثيرة وثقوب مريعة. والتحفظ عليها ورفضها هو موقف كل صاحب وجدان سليم. وعليه، فإن كل ما ينتج عن اختلالات هذا النظام من شرعنة للانقلابات والبلطجة هو أمر مرفوض حيثما كان، ولكن الغريب هو أن يدعي شخص رفض هذه التشوهات، ثم يرفض تطبيق ما هو صحيح وعادل على بلاده! إذا أصابت بعض الأطراف الدولية في رفض قبول الانقلابي الذي قتل شعبنا ودمر وطننا، فمن المثير للسخرية أن نطالبها بتعديل كل اختلالات العالم أولاً، وتركنا نحن لنعيش تحت وطأة هذا الخلل!
3- منذ بدء الخليقة، ما من حركة تحرر وطني واحدة إلا سعت إلى كسب حلفاء حول العالم لنصرة قضيتها والحد من سعي المتسلطين للاستقواء بالخارج عليها.
ومن بداهة القول أن المحرك للأطراف الخارجية هو مصالحها أولاً، وعليه فإن معيار التلاقي معها ليس مدى سمو منصتها الأخلاقية.
فلم يكن ممكناً، على سبيل المثال لا الحصر، إنهاء نظام الأبارتايد دون تحالف الثوار في جنوب أفريقيا مع قوى تخالف داعمي نظام الفصل العنصري آنذاك، وما كان يمكن للثورة الأميركية، التي قام بها مواطنون بريطانيون، أن تنهي بطش النظام الملكي دون التحالف مع فرنسا، ولصارت مهمة السودانيين/ات اكثر تعقيداً في إنهاء حكم الإنقاذ دون التعبئة الخارجية ضدها والوقوف لها كل مرصد بغرض عزلها وإضعافها.
4- هذا الأمر ليس جديداً في السودان، فقد سبق للقوى السودانية الديمقراطية ومنظمات الضحايا والحقوقيين أن قادت حملات واسعة ضد ذهاب عمر البشير إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة، وقد أسهم الضغط السياسي والحقوقي والإعلامي في إلغاء مشاركته من قبل. فهل كان هذا الأمر، وقتها، استهدافاً للسودان؟! وبعد انقلاب ٢٥ أكتوبر ٢٠٢١، قادت القوى المدنية ولجان المقاومة وحركات السودانيين/ات في المهجر حملات متواصلة لمقاومة شرعنة سلطة البرهان، ورفض مشاركته في الجمعية العامة للأمم المتحدة عقب الإنقلاب. فما هو الجديد الذي جعل هؤلاء الانقلابيين، فجأة، ذوي شرعية لتمثيل السودان؟! احترموا عقول الناس يا هؤلاء!
5- الادعاء بأن البرهان يمثل إرادة وطنية خالصة ضد القوى الخارجية التي تستهدف وحدة السودان وسيادته لا ينهض على ساقين، فالحقيقة هي أن البرهان رأس رمح مشروع مهدد لوجود البلاد نفسها. والوضع الآن هو وجود انقسام بحكم الأمر الواقع، وتفريط غير مسبوق في سيادة البلاد، ونهب لثرواتها. وستتعاظم هذه المهددات باستمرار الحرب، لذا فإن التصدي له ولكل من يرفض وقف الحرب هو الموقف الوطني الذي يصون البلاد مما يمر بها من تهديدات وليس العكس.
6- يستند البرهان إلى دعم خارجي في تمويله وتسليحه وشرعنته، وهو دعم يعزز مشروعه السلطوي في اختطاف الدولة.
فكل انقلاباته التي قام بها منفرداً أو مع حلفاء الأمس في الدعم السريع تمت بسند خارجي استعان به على شعبه. وقد كشفت وثائق عديدة أنه دفع المقابل تفريطاً في أراضي البلاد ومواردها وسيادتها.
عليه، فإن سعي القوى المدنية الديمقراطية إلى حشد موقف دولي ضد الحرب والاستبداد هو فعل مشروع وطبيعي تعدل به ميزان القوى في مواجهة المشروعات المضادة. المعيار الذي نستند إليه واضح .. فنحن لم ولن نتنازل عن مبادئنا الأساسية في الحفاظ على وحدة البلاد ورفض الحرب ومقاومة الشمولية، ولن نفرط في شبر من سيادتها، أو نولغ في سكب قطرة دم واحدة من أي من أبنائها وبناتها.
إن كان من تدخل خارجي خبيث، فهو ما يستعين به دعاة الحرب لاستمرار المقتلة الإجرامية التي تعصف بالبلاد، وليس سعينا نحن إلى دور دولي يعالج الكارثة الإنسانية ويساهم في وضع حد لهذه المأساة.
7- أميركا دولة وازنة ولها تأثير كبير في المشهد العالمي، وقد حفيت أقدام البرهان لاسترضائها، فكتبت المقالات باسمه في صحفها ومجلاتها، وسعى لاستجداء عطفها إلى حد الرجوع لأصول “كوش التوراتية”، وأرسل مبعوثيه إلى أراضيها، وقطع الفيافي لمقابلة مسؤوليها، واستعان بكل الوسائل للوصول إلى مراكز صناعة القرار فيها. وحتى حينما منعته تأشيرة دخولها وجردته من شرعيته، جاء بيان خارجيته تجاهها هيناً وليناً، خلا من عبارات الإدانة، وحفل بعبارات التوقير للرئيس ترامب، وأسهب في إظهار الرغبة في السلام حتى ضمن “الرباعية” التي قالوا من قبل إنهم لا يعترفون بها. وهو ذات السلام الذي إذا طالبت به القوى المدنية، نصبت لها مشانق التخوين والإساءات.
عليه، فإن الموقف الأميركي مهم، وكونه قد طابق مواقف القوى المناهضة للحرب في عدد من النقاط فهو محمدة لا مذمة. أما البرهان ورهطه، الذين يحاولون التقليل منه الآن ويتلبسون لبوس “مناهضي الإمبريالية”، فينطبق عليهم مثل من لم يطل العنب فقال إنه حامض.
الحديث عن هذا الأمر يطول، ولنا عودة إن عاد حارقو بخور الحرب ومطبّلوها. وخاتمة القول هي أن النكسة التي تعرض لها البرهان بفشل خطته للذهاب إلى نيويورك والادعاء زوراً أنه ممثل “السودان” هي خطوة مهمة في تكثيف الضغوط لوقف الحرب. فأحد أهم شرايين استمرارها هو الطموح السلطوي لقادتها، فإذا توصلوا إلى خلاصة مفادها أن الحرب هي الباب الذي سيقودهم إلى كرسي الحكم، سيواصلون شنها دون اعتبار لحياة الناس ومصير البلاد. وعليه فإنه من المهم إغلاق هذه الأبواب، وإرسال رسالة واضحة لكل صاحب بندقية بأن سفك دماء الناس سيقودك إلى السجن لا القصر، وإن كلفة استمرار الحرب عالية، ومن يطيل أمدها سيدفع ثمن ذلك. حينها سيتوقف هذا القتال الجنوني، ويدرك الجميع أن حفظ مؤسسات الدولة وأمنها وسيادتها ووحدتها مدخله هو نبذ العنف، وانتهاج السبل السلمية لإدارة التباينات والخلافات.