نصف قرن من الفكر والبحث والكتابة: رحيل المفكر حيدر إبراهيم علي .. “الرجل النهر” و”أيقونة التنوير”

الدوحة - مشاوير : مجدي علي

عن عمر عامر، ناهز 83 عاماً، رحل اليوم في العاصمة المصرية القاهرة، المفكر وعالِم الاجتماع السوداني د.حيدر إبراهيم علي، بعد مسيرة فكرية وأكاديمية امتدت لأكثر من نصف قرن، انشغل خلالها بقضايا الديمقراطية والدولة والمجتمع والتحوّلات السياسية في السودان، وكرّس جانباً واسعاً من مشروعه الفكري لنقد الإسلام السياسي والبحث في قضايا التنوير والتحرّر وحقوق الإنسان. ويُوصف الراحل في الأوساط الثقافية بـ”أيقونة التنوير” و”الرجل النهر”، في إشارة إلى عطائه الفكري المتواصل وحضوره الممتد في الحياة الثقافية السودانية.

وُلد حيدر إبراهيم علي في 11 مايو 1943 بقرية (القُرير) شمال السودان، ونشأ في أسرة بسيطة؛ كان والده شرطياً، فيما كان جدّه جندياً تحوّل لاحقاً إلى فقيه القرية، وأسهم في غرس حب القراءة والاطلاع لديه. حصل على دبلوم التاريخ والتربية من كلية أم درمان عام 1966، ثم ليسانس علم الاجتماع من جامعة القاهرة عام 1970، قبل أن ينال الدكتوراه في فلسفة العلوم الاجتماعية من جامعة فرانكفورت عام 1978.

وتوزعت مسيرته الأكاديمية بين التدريس والبحث في السودان وألمانيا وعدد من الجامعات العربية، بينها جامعة الإمارات العربية المتحدة وجامعة الجزيرة، إلى جانب مشاركته في مشروعات بحثية عربية ودولية.

وفي المجال الثقافي والبحثي، أسس عام 1992 مركز الدراسات السودانية في القاهرة، الذي أصبح منصّة للبحث والنشر والحوار حول قضايا السودان، وأصدر من خلاله الكتب والدراسات ومجلة (كتابات سودانية)، التي تولى رئاسة تحريرها. كما تولى تنسيق الدراسات والنشر بالمجلس القومي للثقافة العربية في الرباط، والأمانة العامة للجمعية العربية لعلم الاجتماع بين عامي 1996 و1998.

وارتبط اسمه كذلك بمشروعات بحثية تناولت التنمية والمجتمع والتحولات السياسية والثقافية.

ترك حيدر إبراهيم مؤلّفات في علم الاجتماع والفكر السياسي والديني، من بينها (التغيير الاجتماعي والتنمية)، و(مقدمة في علم الاجتماع)، و(أزمة الإسلام السياسي.. الجبهة الإسلامية نموذجاً)، و(لاهوت التحرير.. الدين والثورة في العالم الثالث)، و(الديمقراطية والمجتمع المدني في السودان)، و(التيارات الإسلامية وقضية الديمقراطية)، و(العولمة وجدل الهوية)، و(سقوط المشروع الحضاري)، و(الأمنوقراطية وتجدد الاستبداد في السودان)، و(الديمقراطية السودانية.. المفهوم، التاريخ، الممارسة)، إضافة إلى سيرته الذاتية (أزمنة الريح والقلق والحرية) الصادرة عام 2015.

وانعكس انشغاله بالتنوير في مشروعه النقدي الذي تناول الإسلام السياسي والدولة والمجتمع والديمقراطية والهوية، كما جعل من مركز الدراسات السودانية ومجلّة (كتابات سودانية) فضاءً للبحث والنشر وإتاحة المجال أمام الكتاب والباحثين.

وتشير مواد المركز إلى أن السلطات السودانية منعت عدداً من كتاباته وبعض كتبه، فيما أُغلق المركز في الخرطوم عام 2012.

وتُوّجت مسيرته بجائزة سلطان بن علي العويس الثقافية في دورتها السادسة عشرة (2018-2019)، في حقل الدراسات الإنسانية والمستقبلية. كما اختارته جائزة الطيب صالح العالمية للإبداع الكتابي (شخصية العام الثقافية) لعام 2021، وجرى تكريمه وتسليمه الدرع خلال ختام الدورة الحادية عشرة للجائزة في الخرطوم.

وبرحيله، يفقد المشهد الفكري والثقافي السوداني كاتباً وباحثاً ظل حاضراً في أسئلة السودان الكبرى لأكثر من خمسة عقود، تاركاً مؤلّفات ودراسات ومؤسّسات ومنابر بحثية ارتبطت بقضايا المعرفة والتنوير والديمقراطية والدولة والمجتمع.

↑
Exit mobile version