هل يجوز للولايات المتحدة منع الانقلابي المزمن من دخول أراضيها؟

د. أحمد عثمان عمر

أثار رفض الولايات المتحدة الأمريكية منح تأشيرة دخول للإنقلابي المزمن جدلاً واسعاً في أوساط عدة، كان طابعه سياسياً أكثر منه قانونياً، إنبنى على التأييد أو الرفض لهذا القرار، من مواقع تأييد المذكور ودعم سياساته من قبل الحركة الإسلامية المجرمة وأنصارها وحلفائها و المغيبين من المواطنين بشعارات حرب الكرامة وداعمي الحرب من مواقع الخوف من المليشيا الإرهابية، ومن مواقع معارضة المذكور القائمة على رفض الحرب والدعوة للسلام والوقوف ضد التمكين والحفاظ على شعارات ثورة ديسمبر المجيدة ورفض السلطة غير الشرعية.

وهذه المواقف السياسية غطت على الأسس القانونية للقرار ، وصادرت النقاش الموضوعي حوله إلى حد كبير، في حين حاولت إلى حد ما توظيف بعض الآراء القانونية وتجييرها لمصلحتها.

والملاحظ بصفة عامة أن أنصار الإنقلابي المزمن، ركزوا على إتفاقية المقر بين الولايات المتحدة الأمريكية والأمم المتحدة في نوفمبر من العام 1947م ، بعد عزلها عزلا تاما عن القانون الوطني الأمريكي الذي صادق عليها.

والمعلوم أن الإتفاقيات الدولية لا تصبح جزءا من القوانين الوطنية، إلا بعد المصادقة عليها من الجهاز التشريعي للدولة المعنية بموجب قانون. وتجاهل القانون الوطني الأمريكي لم يكن مصادفة، بل محاولة لإعمال نصوص الإتفاقية وإلزام الولايات المتحدة الأمريكية بها ومطالبتها بالوفاء بالإلتزامات الواردة بها، لأنها في حال العزل تخدم الزعم بأن الولايات المتحدة الأمريكية قد أخلت بإلتزاماتها، وهو رأي يتبناه بعض القانونيين المختصين بالقانون الدولي حتى في الولايات المتحدة الأمريكية نفسها.

فالإتفاقية في المادة (11) منها تنص على ألا تعيق السلطات الفيدرالية أو المحلية المرور من وإلى منطقة مقر الأمم المتحدة، ويشمل ذلك أي شخص مدعو إلى المقر، وتنص المادة (12) على أن نص المادة (11) يطبق بغض النظر عن علاقات حكومة الأشخاص المعنيين بالولايات المتحدة الأمريكية، كذلك تنص المادة (١٣) على أن قوانين الدخول والإقامة سارية المفعول في الولايات المتحدة الأمريكية لا يجب أن تطبق بطريقة تعيق الإمتيازات الواردة بالمادة (11).

لكن مواد هذه الإتفاقية والإلتزامات الواردة بها، لا تصبح ملزمة للولايات المتحدة الأمريكية، إلا بعد التصديق عليها بموجب قانون يصدره الكونغرس. وبموجب القانون العام 80-357 ، صادق الكونغرس على الإتفاقية، ونص في المادة (6) منه حرفياً على ما يلي:” لا يجوز تفسير أي شيء وارد بهذه الاتفاقية على أنه يقلل بأي شكل من الأشكال من حق الولايات المتحدة في حماية أمنها والتحكم الكامل في دخول الأجانب إلى اي اقليم تابع لها بإستثناء منطقة المقر والمناطق المجاورة لها مباشرة”.

وهذا النص عرف بالإستثناء الأمني، وكان دائماً مثار جدل بين الولايات المتحدة الأمريكية والأمم المتحدة، منذ المذكرات المتبادلة حول التصديق على اتفاقية المقر في العام 1947م.

إذ أن الأمم المتحدة تصر على أن اتفاقية المقر واضحة وصريحة، ويجب أن تفسر وفقا لذلك إستنادا للمادة (31-1) من اتفاقية فينا بشأن قانون الإتفاقيات الدولية، التي تنص على ان الإتفاقية الدولية تفسر بحسن نية وفقا للمعاني العادية لمصطلحاتها في سياقها في ضوء الغرض من الإتفاقية.

وعليه أي قيود توضع على الحقوق والإمتيازات الواردة بإتفاقية المقر ولا توجد ضمن نصوصها، تعتبر خرقا للإتفاقية وإخلالاً بالإلتزامات.

لكن هذا بالطبع ليس موقف الولايات المتحدة الأمريكية، التي تتمسك بأن قانونها الوطني هو الذي يعطي الإتفاقية إلزاميتها ويحيلها إلى جزء من القوانين الوطنية ويوجب تنفيذها، وهو يمثل جزءا أصيلا من سيادتها على أراضيها التي لم تتنازل للأمم المتحدة عنها خارج منطقة المقر. وهذا النزاع تكرر عدة مرات في السابق، بما فيها منع بعض الإستشاريين من الدخول للأراضي الأمريكية ومنع ياسر عرفات كذلك في العام 1988م. وحتى محكمة العدل الدولية في رأيها الإستشاري لم تفض الإشتباك حول المسألة، بل أوضحت ان النزاع حولها يجب أن يحال للتحكيم.

والواضح هو أن الولايات المتحدة الأمريكية حين ترفض منح تأشيرة دخول إلى أراضيها لشخص مدعو من الأمم المتحدة، تستخدم قانونها الوطني الذي صادقت عبره على إتفاقية المقر والذي اشتمل على إستثناءا امنيا واضحا.

والإختلاف الذي يثور بين من يمنحونها حق ممارسة هذا الإستثناء كجزء من سيادة لم تتنازل عنها للأمم المتحدة خارج منطقة المقر، هو حول تفسير هذا الإستثناء وهل يصح أن يكون تفسيرا واسعا أم ضيقا. والإدارات الأمريكية المتعاقبة، تحبذ التفسير الواسع الذي يعطيها الحق في رفض إعطاء تأشيرة لكل من تعتبره خطرا على أمنها القومي الذي يشمل أمور واسعة لا حصر لها، في حين أن معظم الفقهاء يحبذون التفسير الضيق الذي يجعل الإستثناء ينطبق على الشخص المعين الثابت انه يشكل خطرا فعليا على أمن الولايات المتحدة الأمريكية.

وللإجابة على سؤال هل يجوز للولايات المتحدة الأمريكية منع الإنقلابي المزمن من دخول أراضيها ورفض منحه تأشيرة دخول برغم أنه مدعو من الأمم المتحدة لحضور جمعيتها العامة، سنأخذ بالتفسير الضيق ، حتى نرى إن كانت الولايات المتحدة الأمريكية محقة في رفضها أم لا. والوقائع تشير إلى ما يلي:

1- قامت الإدارة الأمريكية بتصنيف الحركة الإسلامية كمنظمة ارهابية، والإنقلابي المزمن هو أحد الجنرالات الذين عملوا معها في حزب المؤتمر الوطني، وعينته مفتشا عاما للجيش الذي إختطفته، ورئيسا للجنة نظامها الأمنية التي نفذت إنقلاب القصر، وقائدا للمجلس العسكري الذي سلمته السلطة.

وهو نفذ لها الإنقلاب الثاني على حكومة شبه المدنية، وقاد حربها ضد الجنجويد، وإستمر في تنفيذ أجندتها الرافضة لوقف الحرب. وهذا يضعه في أحسن الأحوال حليفا لمنظمة إرهابية، ويجعله خطرا على الأمن القومي الأمريكي، ويوقعه في دائرة التفسير الضيق نفسه، ويخول الإدارة الأمريكية الحق في رفض منحه تأشيرة دخول للأراضي الأمريكية.

2- الإدارة الأمريكية تتهم علنا الإنقلابي المزمن وسلطته غير الشرعية، بإستخدام الأسلحة الكيميائية المحرمة دوليا في حربهم ضد مليشيا الجنجويد الإرهابية. وهذا الاتهام – بغض النظر عن صحته من عدمها- يكفي لتصنيفه خطرا على الأمن القومي الأمريكي، ويخول الإدارة الأمريكية الحق في رفض منحه تأشيرة دخول إلى الأراضي الأمريكية.

3- الإنقلابي المزمن يخوض حربا أهلية ضروس، تهدد السلم الإقليمي والعالمي، وتتسبب في معاناة غير مسبوقة للمواطنين، وحالة من الكوارث لم يشهدها العالم من قبل، وهو يرفض وقفها أو التوصل لهدنة بشأنها، وسلوكه يؤكد أنه من الممكن أن يكون خطرا على الأمن الأمريكي لأنه لم يتورع عن أن يكون خطرا على أمن مواطنيه ناهيك عن أمن دول اجنبية.

ومفاد ما تقدم، هو أن القرار السياسي بمنع الإنقلابي المزمن من دخول الأراضي الأمريكية ورفض منحه تأشيرة دخول، ليس عاريا من الأسس القانونية كما يحاول تصويره أنصاره، فهو يتأسس على قانون صادر عن هيئة تشريعية مختصة في وقت مصادقتها على إتفاقية المقر، وبموجب قانون يدونه لا يمكن ان تصبح إتفاقية المقر ملزمة وسارية المفعول في الأراضي الأمريكية. وحتى يحال النزاع حول الأمر بين الولايات المتحدة الأمريكية والأمم المتحدة إلى التحكيم ويصدر بشأنه حكم يحسم الجدل، يكون للولايات المتحدة الأمريكية الحق في الإستناد لقانونها الوطني الذي صادقت بموجبه على إتفاقية المقر ، ومنع مدعوي الأمم المتحدة من دخول أراضيها لدواع أمنية.

والسؤال المحير هو: لماذا يستميت الإنقلابي المزمن من أجل دخول الأراضي الأمريكية، ولماذا لم يكتف بتكليف وزير خارجيته الموجود هناك أو ممثل سلطته غير الشرعية في الأمم المتحدة بتمثيل هذه السلطة؟؟

والإجابة هي في البحث عن شرعية لسلطة غير شرعية، لن تعطيها له الأمم المتحدة لأن الشرعية يعطيها الشعب. والشعب السوداني قال كلمته حين هتف “الثورة ثورة شعب والسلطة سلطة شعب والعسكر للثكنات والجنجويد ينحل”.

↑
Exit mobile version