الخنق المزدوج!!

أشرف عبد العزيز

تكشف التصريحات الأخيرة لمسعد بولس، مستشار الرئيس الأمريكي للشؤون العربية والأفريقية، عن تحول جذري في الاستراتيجية الأمريكية تجاه الحرب في السودان. فلم تعد واشنطن مكتفية بالتحركات الدبلوماسية التقليدية أو تيسير المنصات التفاوضية، بل انتقلت بوضوح إلى خيار “الضغط الناعم والمباشر” لاستنزاف طرفي الصراع عسكرياً وسياسياً.

تتبنى الإدارة الأمريكية رؤية متكاملة تقوم على تجفيف منابع التسليح الخارجية، وتوسيع العزلة السياسية والدبلوماسية للطرفين، مع إعداد مسارات بديلة صارمة في حال تعطيل هذا المخطط داخل مجلس الأمن الدولي.

تتحدد ملامح الخطة الأمريكية في التحرك نحو مشروع قرار أممي بموجب تعديل القرار 1591. هذا التعديل يستهدف توسيع نطاق حظر الأسلحة ليشمل كل الأراضي السودانية بدلاً من إقليم دارفور فحسب، مع التركيز المباشر على بنود تقنيات الطائرات المسيرة التي أصبحت المحرك الميداني الرئيسي للقتال. ويمثل إقرار التمديد التقني حتى جلسة التاسع من أكتوبر القادم مهلة تفاوضية أخيرة من واشنطن لكسر تحفظات روسيا والصين وبعض الدول الأفريقية، والتي ترى في الحظر المباشر مساساً بسيادة المؤسسات الوطنية وفرضاً لتوازنات قد تخدم طائفة على حساب أخرى.

لكن المقاربة الأمريكية الحالية لا تتوقف عند حدود مجلس الأمن. فقد أشار بولس صراحة إلى الانتقال لـ “خيارات أخرى” ومرحلة جديدة إذا ما استخدم الفيتو أو عُطل القرار.

وتتضمن هذه البدائل استراتيجيات أحادية وتكتلات إقليمية تعتمد على خنق الممرات الميدانية وشبكات الإمداد، وفرض عقوبات موجهة ومشددة عبر وزارتي الخزانة والخارجية على شركات التوريد والوساطة المالية والشبكات الإقليمية الداعمة للطرفين.

كما يبرز تفعيل ملف المزاعم الخاصة باستخدام الأسلحة الكيميائية عبر منظمة حظر الأسلحة الكيميائية (OPCW) كأداة ضغط قانونية وأخلاقية إضافية، تهدف إلى إضعاف المواقف الدولية للقيادات العسكرية ورفع كلفة استمرار الحرب.

على المستوى السياسي، يعزز التحرك الأمريكي مبدأ المساواة في نزع المشروعية عن الطرفين المتقاتلين. بالتعامل مع حكومة الامر الواقع وقوات الدعم السريع كـ “أمر واقع” دون منح أي منهما اعترافاً بشرعية القيادة، ورفض حوارات الطرف الواحد أو المبادرات الجزئية لصالح خارطة طريق “الرباعية” والآلية الخماسية.

تراهن واشنطن على إيجاد حالة من الإنهاك والتجفيف العسكري الشامل تُجبر المكونات العسكرية على إخلائها المشهد، تمهيداً لنقل السلطة إلى إدارة مدنية تفاوضية، وهو ما يجعل المرحلة القادمة امتحاناً مفصلياً لمدى قدرة الإدارة الأمريكية على تحويل أدوات الضغط المالي والقانوني إلى واقع سياسي وميداني جديد في السودان.

↑
Exit mobile version