وهل بدأ تفكيك محطات تنزُّل الشياطين من جزيرة إبستين؟! (3)
الجميل الفاضل
إليك الآن، ما بعد الجزيرة.. خرائط ممالك شيطانية أخرى مذهلة:
فإذا كانت «جزيرة إبستين» قد مثّلت النموذج المُجَسَّم لـ «صالة كبار الزوار» التي أُديرت فيها خطيئة الابتزاز الأشهر في التاريخ، عبر الشهوة وسلب البراءة، فإن حصر «شيطنة الأرض» في تلك الرقعة الجغرافية المعزولة يُعد قصورًا في النظر، وغفلةً عن طبيعة هذا الحراك الأخطبوطي المترامي الأطراف.
إن للشيطان في عصرنا الراهن ثلاث ممالك ومحطات استقبال كبرى، تتوزّع على طول كوكبنا لتنفيذ هذه الغاية ذاتها: إبقاء الإنسان مكبًّا على وجهه المادي، ورهينًا لخوفه وحاجته، ومسكونًا بالإفك والإثم.
وقد لخص القرآن لنا غاية هذا الحراك الشيطاني المتسع في هدف واحد:
فالأرض التي ترتوي بالظلم والعدوان وتفتقر إلى العدالة تتشيطن تلقائيًا؛ لأن سفاكي الدماء والأفاكين من أمراء الحروب وتجارها هم النموذج الصارخ لـ «كل أفاك أثيم» تهبط عليه الشياطين لتبادله الوحي الغروري المزخرف، من أجل سفك الدماء، وإيغار الصدور، وتأجيج الفتن.
فالتخويف من الفقر والاحتياج، والإغراء بالفاحشة، هو المدخل الشيطاني لإخضاع المجتمعات، وجعلها تقبل بالتنازل عن قيمها وكرامتها واستقامتها في سبيل لقمة العيش، وسداد الديون، وكذا بتحصيل متع الحياة الدنيوية الرخيصة.
ليؤكد القرآن على مآل هذا المسلك المالي الظالم بقوله:
3- مملكة التضليل وصناعة التفاهة (منصات غسيل الوعي):
وهي الإمبراطوريات الإعلامية والافتراضية المعاصرة التي تُدار عبر خوارزميات وشاشات تبث التفاهات، وتلمّع الأكاذيب، وتفكك الأسر، وتمنح الأفاكين والكذابين منصات التأثير والتصدر.
إنها عملية «تسطيح وتخدير» منظمة للوعي الإنساني، تهدف إلى قطع صلة الإنسان بالسماء، وإشغاله بحطام الدنيا الفاني، وشل قدرته على التفكير في سؤال الوجود المحوري: هل يمشي سويًّا على صراط مستقيم أم مكبًّا على وجهه؟
وقد حذّر القرآن من نوع هذا الانشغال المُلهِي بقوله:
المهم، فإن الإقرار بوجود هذه الممالك الشيطانية ليس دعوةً لليأس أو التسليم، إنما ذلك الإقرار هو «خطوة الاستبصار الأولى» لتفكيك تلك الممالك ذاتها.
وكما أن تجفيف مستنقع الفساد يبدأ بقطع منابع المياه القذرة التي تغذيه، فإن تفكيك محطات استقبال الشياطين يكمن في إغلاق المنافذ التي يتسلل منها الأفاكون إلى صدارة مجتمعاتنا كما هو الحال في سوداننا اليوم:
أولًا: بتجريد الأفاكين والآثمين من «شرعية هذا التصدر»، من خلال قطع خطوط التلقي عنهم، ونبذ خطابات التزييف والأكاذيب، وإعمال قواعد التبيّن، والتحقق، والتثبت الفطرية والشرعية، أمام سيول الإشاعات، والأكاذيب، والافتراءات.
ثانيًا: بالانتقال من استهلاك النموذج المادي المُغوي إلى «الاستقامة المؤسسية والعملية»؛ فالعدل، وسيادة القسط، وإتقان العمل، ورعاية الضعفاء، هي الأسوار الحصينة التي تمنع قيام «جزر جديدة» أو «صالات مغلقة» للابتزاز.
ثالثًا: بإحداث الانقلاب الأخلاقي في الرسالة الإعلامية والثقافية، من خلال تحويل أدوات العصر من منصات لتخدير العقول وتكريس الاستهلاك، إلى نوافذ للإشراق والتبصير تُعيد للإنسان كرامته وحريته الإلهية.
ثم أخيرًا: من شيطنة الأرض إلى ترحُّمُنِها:
إن مراهنة الحضارة المادية على قدرة الباطل وأدوات تشتيته في امتصاص صدمات الانكشاف هي مراهنة على سراب؛ إذ مهما اتسعت زينة الباطل وزخرفه، يظل كيد الشيطان ضعيفًا في بنيته الأساسية؛ لأنه لا يستند إلى أصل في الحقيقة، وإنما يعيش على الخداع البصري والتزيين المؤقت الذي يتهاوى عند أول شعاع نور يقذفه الحق سبحانه وتعالى:
إن الأرض التي تئن تحت أقدامنا الآن من كثافة الوجود الشيطاني لن تتنفس الصبح والسكينة بقرارات ترقيعية أو صفقات سياسية عابرة، بل حين يعود الإنسان إلى صلته الأولى بخالقه، فيضع «الرحمن» في قلبه، وينتظم في سلك ﴿الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾.
عندها فقط، تُطوى رحلات الشياطين، وتُغلق صالات كبار زوارهم إلى غير رجعة، وتتنزّل الملائكة بالبشارات والأمن والطمأنينة، لتتحول الأرض من مرتعٍ للتهافت والابتزاز إلى ساحةٍ تتجلّى فيها الرحمة والكرامة الإنسانية.
ولعل المفاجأة الكبرى ستكون حينها، عندما يتجلى في ظني دور السودان العزيز المقتدر، كمركز لتفاعلات هذا الوجود المبارك بأسره، رغم بؤس حاله الراهن، وهوانه لدي أهله وربما لدي أغلب الناس الي يومنا هذا.