تدهور خدمات الأرصاد الجوية في السودان بعد الحرب: تحديات وآمال في استعادة النظام
سلمى الشيخ - مشاوير

في ظل الحرب الدائرة في السودان، تدهورت خدمات الأرصاد الجوية بشكل كبير، ما ألقى بظلاله على قدرات البلاد في التنبؤ بالطقس والاستعداد للكوارث الطبيعية. وفي لقاء مع الأستاذ محمد عوض البدوي، أخصائي الأرصاد الجوية والمتخصص في علوم الطقس والمناخ، تحدث عن التحديات التي تواجه الهيئة العامة للأرصاد الجوية، وسُبل إعادة بناء هذه المنظومة الحيوية.
وضع ما قبل الحرب: قصور في الإمكانيات لكنه مقبول
أوضح الأستاذ البدوي أن خدمات الأرصاد الجوية قبل اندلاع الحرب كانت تعمل ضمن الحد الأدنى المقبول، رغم القصور الواضح في الإمكانيات. فقد كانت هناك شبكة لا تتجاوز 31 محطة موزعة بين محطات زراعية، جوية وبحرية، يتم من خلالها تنفيذ 8 رصدات يوميًا. كما تم الاعتماد على بيانات الأقمار الصناعية لتعويض نقص المحطات، خاصة أن المعايير العالمية تتطلب وجود محطة كل( 50 -100-200) كيلومتراً، وهو ما لم يكن متوفراً في السودان.
وأشار إلى أن البلاد كانت تفتقر إلى محطات الرصد لطبقات الجو العليا (الراديو سوند) المكلفة، حيث لم يكن يوجد سوى محطة واحدة في الخرطوم، تعمل مرة واحدة في اليوم بسبب التكاليف المرتفعة (200 دولار تكلفة الرصد لمرة وحدة في اليوم).
تداعيات الحرب: 60% من المحطات خارج الخدمة
مع اندلاع الحرب، تعرضت البنية التحتية للأرصاد الجوية لدمار واسع، خاصة في العاصمة الخرطوم، التي كانت تضم غالبية الأجهزة والمحطات. ونتيجة لذلك، خرج نحو 60% من المحطات عن الخدمة، لا سيما في المناطق الجنوبية والغربية من البلاد. كما تعطلت المحطات الأوتوماتيكية – التي كانت تمثل بداية لتحديث القطاع – بسبب غياب الصيانة والدعم الفني.
استمرارية الخدمة وسط الدمار
رغم الظروف الصعبة، بدأت الهيئة في استعادة جزء من خدماتها بعد شهر من اندلاع الحرب، انطلاقاً من مدينة بورتسودان، وبدعم من شركاء دوليين وإقليميين مثل منظمة الإيقاد، المنظمة الدولية للارصاد الجوية، وشركاء دوليين بتوفير خوادم (سيرفرات) خارج السودان لضمان استمرارية الخدمة رغم انقطاع الكهرباء والإنترنت.
تحديات مستمرة وتأثيرات واسعة
تحدث الخبير المتخصص في علوم الطقس والمناخ نوح ادم هدو ، عن واحدة من أبرز الآثار السلبية للحرب على خدمات الطقس والمناخ، والمتمثلة في تدهور القدرة على التنبؤ بالطقس والكوارث الطبيعية. ويرجع ذلك إلى نقص البيانات وعدم تحديث النماذج المناخية، مما يؤدي إلى انخفاض دقة التوقعات الجوية، ويزيد من خطر عدم الاستعداد للكوارث الطبيعية مثل السيول، الجفاف، والعواصف الترابية.
وأشار إلى أن السودان يُعد من المناطق النشطة في الفيضانات، خاصة في السنوات الأخيرة، حيث شهدت البلاد فيضانات كبيرة، مما يبرز أهمية التوقعات الجوية الدقيقة للتقليل من الآثار المترتبة على هذه الظواهر. وهذا يعتمد بدرجة كبيرة على توفر بيانات الأرصاد الجوية في الزمان والمكان المناسب.
وأضاف أن التأثير لا يقتصر على الجانب المناخي فحسب، بل يمتد أيضًا إلى الزراعة والأمن الغذائي، خاصة في بلد يعتمد بشكل كبير على الزراعة، ولا سيما الزراعة المطرية. فضعف خدمات الطقس والمناخ يُصعّب من عملية التخطيط للمواسم الزراعية، سواء المروية أو المطرية، كما يؤثر سلبًا على إدارة الموارد المائية. كل ذلك يؤدي إلى تراجع الإنتاج الزراعي وتفاقم أزمة الأمن الغذائي.
كما أفاد الدكتور أبوبكر الصديق محمد صالح، الخبير بمكتب إفريقيا في المنظمة الدولية للأرصاد الجوية، أن المنظمة قدمت دعماً كبيراً للهيئة العامة للأرصاد الجوية السودانية خلال فترة الحرب.
وأشار إلى أن المنظمة أنشأت موقعاً إلكترونياً حديثاً للهيئة، مستخدمة أحدث أنظمة الحوسبة المصممة خصيصاً لتلبية احتياجات منظمات الأرصاد الجوية والمياه. ويضم الموقع مكونات المواقع التقليدية إلى جانب تطبيق خاص لإصدار ونشر الإنذارات والتنبيهات المتعلقة بمخاطر الطقس، وفقاً للمعايير الدولية المعتمدة لنظام الإنذار المشترك (Common Alerting Protocol).
كما يوفر الموقع منصة تفاعلية لعرض بيانات الطقس مقرونة بمعلومات اقتصادية واجتماعية، ومواقع البنية التحتية الحيوية، ما يُمكّن من تقديم خدمات مناخية تعتمد على تحليل الأثر (Impact-based Services). هذا النوع من الخدمات يتجاوز تقديم توقعات الطقس التقليدية، ليساعد الجهات المختصة على التدخل المبكر، ومنع الكوارث، وحماية الأرواح والممتلكات.
وقد مكّن هذا الموقع الهيئة من الاستمرار في تقديم خدمات التنبؤ والإنذار المبكر رغم الظروف القاسية التي فرضتها الحرب، بما في ذلك نزوح عدد من كوادرها إلى داخل وخارج البلاد. وتكفلت المنظمة أيضاً بتغطية تكاليف استضافة الموقع على خدمات “غوغل السحابية”.
وبجانب الدعم التقني، قدمت المنظمة تدريباً فنياً مستمراً لكوادر الهيئة، في إطار شراكة طويلة الأمد. وأكد د. أبوبكر أن هناك فرصاً واعدة لتعزيز هذا التعاون خلال الأشهر المقبلة.
خاتما: نحو مستقبل مناخي أكثر أمانًا
ورغم التحديات الجسيمة، فإن تضافر الجهود الدولية والإقليمية يفتح الباب أمام إمكانية إعادة بناء منظومة الأرصاد الجوية في السودان، بما يسهم في تعزيز القدرة على التكيف مع التغيرات المناخية، وتقليل مخاطر الكوارث الطبيعية، وضمان مستقبل مناخي أكثر استقرارًا للسودانيين.



