
السفر يعني أن تسرب نبضك وقلبك بعيداً عن تلكم الأرض وذلك التراب الذي حبوت عليه.. ومشيت.. وكبرت.. وسقطت ووقفت..يعني الرحيل إلى أمكنة جديدة.. وعوالم أخرى.. وبلاد لن تكون لك.. ولم تكن يوما لها.
منذ زمن بعيد.. حتى في أوقات الحلم الأولى.. والطموحات التي لا تعرف المستحيل وحسابات الواقع.. لم يكن الاغتراب والسفر حلما يراودني.. ولا أدري هل كان ذلك إيمانا بالوطن.. أم بإمكانياتنا في القدرة على العيش في الظروف المختلفة التي مرت بالبلاد وعبر حقب متشابهة.
لم أفكر في استخراج جواز سفر حتى إلا في زمن متأخر.. حين دعت ضرورة العمل إلى ذلك.. لمرافقة بعثات الهلال إلى الخارج.. فكانت لوبومباشي الكنغو مرورا بعنتيبي اليوغندية؛ وكانت باماكو المالية مرورا بأديس أبابا؛ وكانت الساحرة أسمرا؛ وعروس المدائن القاهرة.
كلها كانت رحلات عابرة وسريعة، ولكنها رسخت في الذاكرة وعلمتنا شيئا من ثقافات عربية وأفريقية وخليط هذا وذاك، ومع ذلك ظل التشبث بالخرطوم حاضرا؛ ولم يغير أبدا فكرة مغادرتها إلى أي مكان في الدنيا بالرغم من كل المغريات الحاضرة هناك من الزملاء والأصدقاء.
لا أدري إن كان ما اتخذته من قناعة وقرار حكيما أو صائبا أو غير ذلك؛ ولكنني راض عن كل شيء، وسعيد بأنني موجود في السودان؛ وفي هذه الأرض التي أعنيها وتعنيني حتى الآن.
ثم كانت الحرب؛ ربما وجدها الكثيرون فرصة للمغادرة؛ فسلكوا الطرق المرصوفة والمطارات وسبل التهريب المتنوعة هروبا من هذا الجحيم؛ وطنت حينذاك في مكاني؛ يأبى القلب أن يبرح تلك الأماكن؛ كانت الدعوات تتقاطر من كل مكان من الخليج ومن القاهرة ومن أفريقيا التي أحب مغامراتها.
ولكن شيئا كان يشدني إلى البقاءء في هذه الأرض؛ وفضلت أن أبقى فيها حتى النهاية؛ وحتى أرى عودة الناس إلى ديارهم حين تتعافى الخرطوم وتدب الحياة في أسلاك الكهرباء المشدودة وتعود خراطيش المياه لتسقي أزهار الشوارع من جديد.
إن كنا تمسكنا بالأرض والبقاء والخرطوم والسودان في كامل عافيتهما؛ فإن تمسكنا إزداد بهما ونحن نراهما يترنحان من ضربات اللئام والخونة؛ وقفنا ليكون كتفنا السند؛ ولنرد شيئا من دين قديم منحته لنا هذي البلاد في مدرسة ٢٧ الابتدائية وفي مدرسة غرب القديمة المتوسطة أو القدس وفي منارة علي السيد الثانوية وفي جامعة السودان؛ وفي مركز صحي ١٦ ومركز صحي سمير؛ لذكرياتنا في ربوع الصحافة؛ لكوشة الجبل؛ ولمكتبات عبد السلام وسندريلا والشراغيش؛ لمنافسات كرة القدم والتحديات وهزيمة حامد مساعد المتكررة.
لكل هذا كان قرار التفكير في الهجرة مستحيلا؛ مهما كانت الصعوبات؛ ومهما كان حجم المعاناة والضيق وملاحقة المستأجرين التي لا تنتهي؛ والعيش على الكفاف في مناطق النزوح؛ فالكفاف في الوطن غنى؛ والغنى في الغربة لا يمنحك وطنا بديلا..
لهذا نحن موجودون على هذه الأرض حتى النهاية.



