تقارير

الموسم الدراسي في السودان … الرسوم الباهظة وأخطار الحرب معركة واحدة

مشاوير - وكالات 

لم يتمكن الطالب السوداني معتز إبراهيم الذي يسكن ضاحية الثورة بأم درمان والبالغ من العمر 12 سنة، من الالتحاق بالمدرسة، على رغم استقرار أسرته التي عادت أخيراً من رحلة نزوح طويلة في الولاية الشمالية بسبب الحرب المشتعلة بين الجيش وقوات “الدعم السريع” لأكثر من 30 شهراً.

تقول والدته لمياء الطيب “ترك ابني الدراسة بسبب عجزنا في دفع الرسوم ولم نتمكن من سدادها بكل السبل، فوالده كان قبل الحرب يعمل موظفاً إدارياً في إحدى الشركات والتي توقفت منذ أول يوم للحرب ولم يعد لدينا مصدر دخل لتسيير حياتنا المعيشية ناهيك عن أي التزامات تعليمية أخرى، فهذا هو حالنا”.

وواصلت الأم حديثها “حقيقة ما يؤلمني أن ابني يلح علينا يومياً بضرورة إلحاقه بالمدرسة مثل أقرانه الذين يقابلهم عند عودتهم من المدرسة ويحكوا له أجواء الدراسة وأنشطتها، فيأتي البيت وهو في حالة إحباط شديد، ونحن لا حول لنا ولا قوة”.

وتابعت الطيب “المشكلة أن المدرسة التي نويت إلحاق ابني بها طالبتنا بدفع 450 ألف جنيه سوداني (748 دولاراً)، وحين طالبنا إدارة المدرسة بتخفيض الرسوم رفضت بحجة أن كلفة ضمان استمرار الدراسة مرتفعة”.

وزادت الطيب “هذا الإشكال يشمل ملايين الأطفال الذين يواجهون تعطيلاً في التعليم بسبب الحرب والبنية التحتية التعليمية المدمرة، وهو ما يشكل كارثة لجيل بأكمله وترفاً لا يقدر عليه إلا القليل وتحديداً في الولايات المستقرة، فالأمر يتطلب تدخلات عاجلة من الدولة بشأن الرسوم، فكل مدرسة تفرض الرسوم بحسب متطلباتها”.

ومضت في القول “هناك مشكلة في المستوى الأكاديمي للطلاب تتمثل في عدم إجادتهم الكتابة، إذ إن الأخطاء الإملائية وعدم القراءة السليمة شائعة بصورة لا تحصى وسط الطلاب، إضافة إلى تدني مستوى الفهم والإدراك نظراً لكونهم خارج أسوار المدرسة قرابة الثلاثة أعوام يواجهون خطر الانقطاع عن التعليم”.

وأشارت والدة الطالب إلى أن الخرطوم الآن تفتقد مقومات الحياة الأساسية، فمعظم مناطقها تعاني نقصاً في خدمات الكهرباء والمياه الصالحة للشرب، وأحيائها موبوءة بالحميات والأمراض، إلى جانب أن الدمار طاول المدارس وتفتقر إلى الإجلاس والكتب”.

أطفال السودان

أزمة كبيرة

وعلى رغم فتح المدارس في السودان، فإن التعليم يواجه أزمة كبيرة، إذ لا يزال ملايين الطلاب خارج مقاعد الدراسة بسبب البيئة الصحية والأمنية المتردية، فضلاً عن عوائق مالية متمثلة في الرسوم الدراسية، وأعمال التهيئة وارتفاع كلفة النقل في ظل التدهور الاقتصادي الذي أدى إلى فقدان معيلي الأسر نحو 60 في المئة من دخولهم المالية.

في الولايات التي يسيطر عليها الجيش مثل البحر الأحمر ونهر النيل والشمالية، أصبحت المدارس خصوصاً الخاصة تفرض رسوماً باهظة وصلت 1.2 مليون جنيه سوداني (2000 دولار) لمرحلة الأساس و 2 مليون جنيه سوداني (3325 دولاراً) للمرحلة الثانوية، أما رياض الأطفال فقد تجاوزت رسومها 500 ألف جنيه سوداني للطفل الواحد (830 دولاراً).

ووفقاً لأحدث إحصائية صادرة من منظمة حماية الطفولة “يونيسيف” التابعة للأمم المتحدة، في مارس 2025، فإن نحو 17 مليون طفل سوداني خارج مدارسهم منذ أكثر من عامين بسبب الحرب والاضطرابات في مشهد وصفته المنظمة بأنه “جيل معرض للخطر”. وأوضحت أن نحو 90 في المئة من الأطفال في سن التعليم (ما يقرب من 19 مليوناً) يفتقدون التعليم الرسمي.

وأضافت “يونيسيف” أن هذه الإحصاءات تؤكد أن السودان يعيش أسوأ أزمة تعليمية في تاريخه الحديث، لا سيما أن تقديم التعليم البديل أو الدعم النفسي والاجتماعي بات ضرورة عاجلة لتجنب انهيار مستقبل جيل بأكمله.

أطفال السودان

فساد ونهب

وبحسب بيان سابق للجنة المعلمين السودانيين بمحليتي جبل أولياء وكرري، فإن مكاتب التعليم أصدرت توجيهات تلزم المدارس بتحصيل رسوم تحت اسم مساهمات بلغت 100 ألف جنيه سوداني (166 دولاراً) لطلاب الصف الأول الأساسي والمتوسط، وهو إجراء غير قانوني قد يفتح الباب واسعاً أمام الفساد والنهب.

وأكدت اللجنة أن موارد التعليم يجب أن تمول من الدولة لا من جيوب أولياء الأمور، مشيرة إلى أن هذا النهج يعيد ممارسات النظام البائد في استغلال ضعف الرقابة في جمع الأموال من المواطنين.

في السياق يقول المتحدث الرسمي باسم لجنة المعلمين السودانيين سامي الباقر إن الحكومة لم تتنصل فقط من مسؤولية تمويل التعليم، بل إن مكاتب التعليم نفسها باتت تعتمد على تحصيل الأموال من أولياء الأمور لتسيير أعمالها عبر إضافة 500 جنيه (83 دولاراً) عن كل تلميذ تورد إلى مكاتب التعليم من دون إيصالات رسمية.

ويشير الباقر إلى أن هذا الوضع أدى إلى ارتفاع معدلات التسرب من الدراسة بصورة مقلقة، وهو ما تؤكده الأرقام التي تظهر تراجعاً كبيراً في أعداد التلاميذ المنتظمين مقارنة بما كانت عليه الحال قبل اندلاع الحرب.

أطفال السودان

فاتورة باهظة

من جانبه، أوضح محمد عبد الرحمن وهو أب لطفلين في مرحلة الأساس بولاية البحر الأحمر أن “المدارس سواء التابعة للتعليم الخاص أو الحكومي ارتفعت رسومها الدراسية بشكل يفوق الخيال، فمثلاً أطفالي قبل أن تتفاقم مشكلات التعليم يتلقون تعليماً خاصاً، والآن مع افتتاح المدارس تفاجأت بأن الرسوم تضاعفت إلى أرقام فلكية من دون مراعاة لما تمر به البلاد من حرب أفقرت غالبية الناس، ومن الواضح أننا في مواجهة معضلة لا ندري كيفية حلها، وما يثير القلق أن أطفالي تعودوا على بيئة المدارس الخاصة ولن يقبلوا أن يدرسوا في مدارس حكومية”.

وأردف عبد الرحمن “من المؤسف أن الرسوم الدراسية المفروضة غير شاملة كلفة التسجيل والترحيل والزي المدرسي، وهذه تعتبر فاتورة باهظة لا يقدر عليها رب الأسرة في ظل الظروف المعيشية الصعبة”.

ولفت والد الطفلين إلى أن “هذه الرسوم لا تستند إلى بند قانوني، مما يزيد من معاناة المجتمعات في كافة الولايات السودانية، وتعد عوائق تضعها إدارات المدارس، فضلاً عن أن المبالغ الطائلة وعدم إيفاء غالبية الأسر بها تضع مستقبل جيل كامل على المحك”.

أطفال السودان

تنصل الدولة

ويرى المعلم المتقاعد عثمان بقادي في ولاية النيل الأبيض أن “هناك فوضى تضرب قطاع التعليم في البلاد بسبب الحرب، بخاصة من ناحية الرسوم الدراسية الباهظة التي تقررها المدارس من دون مراعاة أوضاع الأسر، وبأي حال لا يمكن أن تتجاهل الدولة قضية التعليم وتقف صامتة وتتنصل من مسؤولياتها، إذ إن تراجع التعليم يشكل خطراً على البلاد، ومن وجهة نظري أن هذه الأرقام المخيفة تعجل بانهياره ويجعل التعليم للمستطيعين فقط “.

وزاد بقادي “التعليم الحكومي قبل اندلاع الحرب في السودان كان مجاناً وحتى لو فرضت رسوم فهي رمزية وبإمكان الأسر دفعها، فضلاً عن أن الحكومات المتعاقبة كانت تدعم التعليم، أما المشهد الآن يفتح الأبواب على مصراعيها لتسرب التلاميذ بسبب استغلال الحرب الدائرة”.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى