
يبدو أن هؤلاء يريدون التأكد من أنهم سينالون نصيباً كبيراً من الكيكة السياسية المستقبلية، وفي نفس الوقت يتهمون من ينادون بقبول الهدنة ووقف الحرب بأنهم يخططون للوصول إلى السلطة.
شاهدت حوارات متعددة، مع شخصيات سياسية وعامة خلال الفترة الماضية، تتناقش حول موضوع الهدنة الإنسانية المطروحة من الرباعية الدولية حول السودان. تراوحت مواقفهم بين الرفض والقبول، وهذا شيء طبيعي، لكن غير الطبيعي هو بعض المبررات والحجج التي قدمها البعض.
المبرر الأول هي مسألة الاعتراف، حيث قال البعض إن التفاوض والقبول بالهدنة بمثابة اعتراف بالدعم السريع، وهو ما يرفضونه، وهي حجة باطلة، فقد جلسوا مع الدعم السريع في جدة عدة مرات، وجلسوا معه في المنامة، وذهب البرهان إلى جيبوتي لملاقاة حميدتي الذي لم يحضر. كما أن الجيش وحلفاءه لا يقاتلون في الميدان أشباحاً وخيالات، بل يقاتلون الدعم السريع الذي حدثونا كثيراً بأنه جزء من القوات المسلحة.
الأمر الثاني يتعلق بسردية بداية الحرب المكرورة والمملة، والقائلة بأن الأمور كانت مستتبة والأحوال تمام، و”الناس نايمين” ثم استيقظوا صباحا ليجدوا أن هناك مليشيا قد تمردت. الحقيقة أن صراع الجنرالين حول السلطة والاستعداد للحرب وتحريك القوات كان يجري على قدم وساق، فيما كانت الجهود تجري لردم الهوة ولإبقاء خيار التفاوض قائماً. وفي لحظة قررت “بعض الجهات” إطلاق شارة البداية لأن الأمر سيتم حسمه في “إزبوع.. إزبوعين”.. وهكذا وجدنا أنفسنا في خضمِّ حرب تصل الآن إلى عامها الثالث.
النقطة الثالثة، وهي الأكثر فجاجة، تتعلق بالوضع السياسي بعد نهاية الحرب. إذ يبدو أن هؤلاء يريدون التأكد من أنهم سينالون نصيباً كبيراً من الكيكة السياسية المستقبلية، وفي نفس الوقت يتهمون من ينادون بقبول الهدنة ووقف الحرب بأنهم يخططون للوصول إلى السلطة.
المرحلة الحالية للتفاوض المطلوب الآن هو قبول هدنة إنسانية لمدة ثلاثة أشهر ثم نقاش حول وقف إطلاق النار، وفي مرحلة لاحقة سيبدأ الحوار السياسي. لا نقاش حالياً حول من سيأتي للحكم وما هو نصيب كل طرف. النقاش الآن حول هدنة إنسانية نستطيع أن نلملم خلالها ما تبقى من آدمية الإنسان السوداني، أن نوصل الغذاء والدواء والخيام المؤقتة لمن نزحوا من الفاشر بعد ما تعرضوا له من محنة ومأساة إنسانية أمام أنظار العالم كله.
هذا يعني أن الهدنة لا تحسم المستقبل السياسي لأي طرف، وإنما هذا حوار قادم في الجولة السياسية. وبالتالي، فإن رفض الهدنة لهذا السبب هو الرغبة في الاستثمار في معاناة السودانيين واستغلال ضعفهم وقلة حيلتهم لتحقيق نصر سياسي ودبلوماسي.
أما أبشع ما سمعت وشاهدت فهو لقطة السوداني اللندني المكتنز الذي يصرخ مطالباً برفض الهدنة حتى لو مات خمسة ملايين فداءً للوطن، يقول ذلك بينما يعيش هو وأسرته في بريطانيا في أمن وسلام.


