منوعات

عبد القادر سالم .. الفقد الذى كسر الإيقاع

صديق الدخرى

لم يكن عبدالقادر سالم مجرّد فنانٍ غنّى لكردفان، بل كان كردفان ذاتها حين تقف على قدميها، وتصفق بإيقاع المردوم، وتفتح صدرها للهسيس، وتفرد روحها على رمالها . برحيله، لم يغب صوت فقط، بل انطفأت جمرة من وجدان المكان، وهدأت نقارة كانت توقظ الذاكرة من سباتها كلما أوشكت أن تنسى.

عبدالقادر سالم صاحب روائع (بازخات)، تلك الأغنيات الروائع التي لا تسمع بقدر ما تعاش، انعكست فيها طبيعة كردفان بكل تفاصيلها الدقيقة: برائحة تربلولها الآخاذ، وتواكيها الشائكة المتجاورة، همبريبها الذي يسبق المطر، وحرازها الذي يعرف الفرح كما يعرف الصبر. في (ليمون بارا) لم يكن الغناء وصفاً، بل مشهداً حياً، وكانت (الليلة غاب تومى ) سيمفونية شعبية مترعة بالجمال، تمشي على قدمين من الإيقاع والدهشة، وتجلس في القلب بلا استئذان.

ثم جاءت (مكتول هواك يا كردفان)، إعلان عشق لا لبس فيه، هيام بالأرض قبل الإنسان، وبالتراب قبل الملامح. لم تكن كردفان عند عبدالقادر سالم جهة جغرافية، بل حبيبة كاملة الأوصاف: صعبة المنال، كريمة العطاء، لا تعطيك سرها إلا إذا أحببتها حد الوجع.

ومن هذا الوجع الجميل خرجت أغنيات مثل (بسام الخواطر) (ونجوم الليل)٫ حيث يمتزج الشجن بالطمأنينة، ويصير الليل صديقاً، والنجوم شهوداً على بوح لا يقال في النهار.

وفي (حليوة يا بسامة) وملحمته المؤلمة فى اغنية (قلت أغني جروحك ما خلني)، بلغ عبدالقادر سالم ذروة الصدق، حين صار الصوت مجروحاً مثل المعنى، وحين لم يعد الغناء ترفا، بل ضرورة للبقاء.

كان يعرف كيف يخرج الألم من خاصرته، ويقدمه للناس لحناً شفيفاً، فلا يعود وجعاً خالصاً، بل عزاء جماعياً.

لفيف من الأغنيات صدح بها فنان كردفان، بألحان شجية موغلة في الإمتاع، مسكونة بإيقاعات الجراري حيناً، وبحزن الطمبور حيناً آخر، ومسنودة دائماً على عمود المردوم، ذلك الإيقاع الذي لم يكن عنده مجرد ضرب على الطبل، بل هوية كاملة، نقلها عبدالقادر سالم من ساحات القرى إلى مسارح المدن، ومن محليتها الصميمة إلى أفق عربي وعالمي أوسع.

كانت بداياته بسيطة ككل الأشياء العظيمة. خرج من رحم المجتمع، ومن أفراحه وأتراحه، تشكل وعيه الفني في حضن النقارة، وعلى وقع الرقصات الشعبية، وفي ليالي السمر التي تختلط فيها الحكاية بالغناء.

تدرج في مسيرته بثبات، لا تعجل ولا ادعاء، حتى صار اسماً يشار إليه بالبنان، ورمزاً لا يمكن تجاوزه حين يذكر فن الإقليم.
لم يكتفِ عبدالقادر سالم بالإبداع الفني، بل أسهم في العمل الثقافي المؤسسي، وشغل مواقع رسمية ومهنية متصلة بالموسيقى والفنون، مدافعاً عن حقوق المبدعين، ومؤمناً بدور الفن في بناء السلام، وتعزيز التعايش، وترميم ما تكسره السياسة والحروب.

كان حضوره في تلك المواقع امتداداً طبيعياً لرسالته: الفن بوصفه خدمة عامة، لا امتيازاً نخبوياً.

لقد صار الراحل، عن جدارة، سفير الأغنية الكردفانية، لا بتكليفٍ رسمي، بل بتفويضٍ شعبي، منحته إياه المحبة والاحترام، وصدق التجربة.

قدم للوطن كثيراً، ولكردفان أكثر، وترك في الوجدان السوداني أثراً لا تمحوه الأيام، ولا يختصره رثاء.

اليوم، إذ ننعاه، ننعى زمناً من النبل الفني، ونستودع صوته في ذاكرة الأرض التي أحبها وغنى لها. رحل عبدالقادر سالم، وبقيت أغنياته تمشي بيننا… شاهدة على أن الفن الحقيقي لا يموت، بل يتحول إلى تاريخ.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: النسخ ممنوع