بقايا هذا الإنسان .. وبقايا ذكرياتنا معه.. وبقايا عطره الأخيرة الذي ستتكفل الأيام بمحوه.. نحفظه في ذاكرتنا.. وكلما مر عطر مشابه.. تجذبنا الذكريات إليه ونجتر فيها ومضات كانت معه في شريط سريع وعابر.. والإنسان هو كائن عابر في هذه الحياة مثل تلك الذكريات.
الأرواح لا تموت.. تلك هي الحقيقة.. الأروح تنتزع من الجسد، وتعود حيث موطنها الأول في السماء، يموت الجسد، بيت الروح ومسكنها.
حين يغادره هذا السر الرباني العظيم، فنمسك نحن ما تبقى ونواريه التراب، لم نعد بحاجة لجسد لا يبتسم، لا يبكي، لا يتحرك، لا يسامر، لا يشاكس، لا يختلف، لا يفكر، صار مجرد كتلة صامتة قابلة للتلف والتعفنن.
هذا هو أنا.. وأنت.. وهو .. ونحن.. وكلنا بعد استسلامنا لحتمية الموت.
اللحظات الأخيرة تفتح أبوابا لعالم لا يجوز لك أن تراه، إلا في هذا الوقت، عالم آخر، أشكال أخرى، ومصير أخير، ليس كذاك الذي كنت تراه بشكل روتيني في دنياك، عالم ينسيك كل الألم الذي كنت تعيشه هنا، وكل الضحكات التي كنت تعيشها، ينسيك كل شيء، لذلك تظل شاخصا في سماء الغرفة، لست عابئا بأخ أو أب أو أم أو أخت أو صديق أو زوجة أو معارف، أنت الآن خارج الإطار الزماني أو المكاني أو الواقع المحيط، لذلك لا ترهق نفسك بالتفكير في مصير الكرة الأرضية بعدك.
ستستمر في الدوران، سيواصل الناس حياتهم بشكل عادي، سيبكون قليلا، وينسونك، ولو بعد حين، فالموت هو الجسر الذي تستلم عنده كل بضاعتك التي روجت لها في الدنيا واحتفظت بأرباحها، فإن كانت خيرا فانعم بها، وإن كان شرا فما عليك إلا أن “تشد حيلك” لما كنزت لنفسك.
هذا الجسد سيدفن.. وسينتظر اليوم الموعود لمعانقة الأرواح القادمة من السماء لتقودك إلى أرض الميعاد، فاجعل من عملك ما يؤانس هذا الانتظار الطويل تحت التراب.
الموت سبيل الأولين والآخرين.. فاستعدوا له.