
يتحرك المشهد السوداني هذه الأيام على إيقاع مبادرات سياسية وضغوط دولية متزايدة، في مقابل تصعيد عسكري ميداني يكشف عمق المأزق الذي وصلت إليه البلاد بعد مرور أعوام على اندلاع الحرب. وبينما تتكثف الدعوات لوقف القتال وفتح مسار إنساني وسياسي، تبدو الاستجابة مرهونة بتشابكات معقدة، يتداخل فيها العسكري بالقانوني، والداخلي بالإقليمي، في مشهد يضع السودان أمام مفترق طرق حاسم.
في هذا السياق، رحّب الأمين العام لجامعة الدول العربية أحمد أبو الغيط بالمبادرة التي طرحها رئيس وزراء حكومة السودان أمام مجلس الأمن، معتبراً إياها خطوة جادة يمكن البناء عليها لوقف الحرب وحقن الدماء. هذا الترحيب لم يأتِ معزولاً، بل ارتبط بتأكيد واضح على دعم الجامعة العربية لأي جهد يقود إلى وقف شامل لإطلاق النار، وحماية المدنيين، وضمان وصول المساعدات الإنسانية دون عوائق، بالتوازي مع إطلاق حوار سوداني شامل يحافظ على وحدة البلاد وسيادتها ويؤسس لسلام مستدام. كما شددت الجامعة على أن تحركاتها تنسق بشكل وثيق مع الأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي وشركاء دوليين وإقليميين، في محاولة لصياغة مظلة ضغط ودعم متكاملة.
هذا الزخم العربي تلاقى مع موقف أميركي أكثر إلحاحاً، إذ دعت الولايات المتحدة طرفي النزاع إلى القبول الفوري بمقترح هدنة إنسانية، معتبرة أن إنهاء القتال بات أولوية لا تحتمل التأجيل في ظل التدهور الإنساني المتواصل. وخلال جلسة لمجلس الأمن، أوضح نائب المندوب الأميركي جيفري بارتوس أن إدارة الرئيس دونالد ترامب طرحت الهدنة بوصفها المسار الأكثر واقعية في اللحظة الراهنة، داعياً الجيش السوداني وقوات الدعم السريع إلى الموافقة عليها دون شروط مسبقة. ولم تقتصر الرسالة الأميركية على الدعوة إلى التهدئة، بل شملت إدانة صريحة لأعمال العنف في دارفور وكردفان، مع التأكيد على أن الانتهاكات التي ارتكبتها الأطراف المتحاربة تستوجب المساءلة.
وتعكس هذه التصريحات اتساقاً مع مواقف سابقة لوزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، الذي رأى في بداية العام الجديد فرصة سياسية وإنسانية لفرض هدنة، مستفيداً من رمزية الأعياد وبدايات الأعوام كنافذة لالتقاط الأنفاس. غير أن روبيو، في الوقت نفسه، لم يُخفِ تعقيدات الملف، خاصة ما يتعلق بتدفق الأسلحة، مشيراً إلى أن أي تقدم حقيقي يظل مشروطاً بدور فاعل للأطراف الخارجية في كبح دعمها العسكري، واستخدام نفوذها لدفع مسار إنهاء الأزمة.

في المقابل، واجهت مبادرة رئيس الوزراء كامل إدريس ردود فعل رافضة من تحالف “تأسيس” بقيادة قوات الدعم السريع، الذي اعتبرها محاولة للالتفاف على مبادرة الرباعية الدولية. وذهب التحالف إلى اتهام الجيش بعدم الجدية في السعي إلى السلام، معتبراً أن استمرار الحرب يخدم حساباته السياسية والعسكرية. ودعا التحالف المجتمعين الإقليمي والدولي إلى تكثيف الضغوط على ما وصفها بالأطراف المعرقلة، مؤكداً أن مبادرة الرباعية تظل الإطار الأهم للوصول إلى تسوية شاملة.
هذا الرفض جرى تفصيله أكثر في تصريحات المتحدث باسم التحالف علاء الدين نقد، الذي رأى أن المبادرة المطروحة لا تختلف جوهرياً عن خطط سابقة، وأن اشتراط انسحاب قوات الدعم السريع وتجميعها في معسكرات يمثل محاولة للالتفاف على التزامات دولية قائمة. وذهب نقد أبعد من ذلك حين تحدث عن ضغوط دولية يواجهها قائد الجيش عبد الفتاح البرهان، تتعلق بفصل المؤسسة العسكرية عن جماعة الإخوان المسلمين، في ظل اتهامات باستخدام أسلحة كيميائية وخلافات داخلية مع قوى سياسية حليفة. وفي طرح يعكس طبيعة التعقيد، دعا نقد إلى توفير ضمانات دولية تحمي البرهان إذا وافق على وقف إطلاق النار، مقترحاً في الوقت ذاته إجراءات صارمة ضد المجموعات الجهادية.
على الجانب الآخر، قدّم كامل إدريس أمام مجلس الأمن تصوراً متكاملاً لتسوية النزاع، يبدأ بوقف شامل لإطلاق النار تحت إشراف أممي وإفريقي وعربي، يعقبه انسحاب قوات الدعم السريع من المدن إلى معسكرات متفق عليها، مع نزع سلاحها تحت رقابة دولية وضمانات تحول دون إعادة تدوير السلاح. المبادرة تضمنت أيضاً دمج العناصر المستوفية للشروط في القوات النظامية، بالتوازي مع برامج لإعادة الدمج والتنمية، خاصة في دارفور وكردفان والمناطق الأكثر تضرراً.
غير أن هذا الحراك الدبلوماسي يصطدم على الأرض بتصعيد عسكري مقلق، لا سيما في شمال دارفور، حيث تشير التحركات الميدانية إلى استعدادات لهجمات واسعة في محيط كرنوي والطينة وأجزاء من شمال غرب كتم. فهذه المناطق تمثل آخر معاقل الجيش والقوة المشتركة في شمال غرب الفاشر، في وقت بسطت فيه قوات الدعم السريع نفوذها على معظم إقليم دارفور باستثناء أجزاء من جبل مرة. ومع تزايد الحشود العسكرية، بدأت موجات نزوح جديدة، إذ عبر عدد كبير من السكان إلى تشاد، وسط تحذيرات وتهديدات مباشرة للسكان بعدم إيواء عناصر القوة المشتركة.




