
لم يكن السودان على مدار تاريخه منتجاً رئيساً للمخدرات، بل كان يستخدم معبراً لتهريبها من غرب وشرق أفريقيا إلى مناطق الاستهلاك في الشرق الأوسط، لكن الحرب قفزت بنشاط المخدرات الاقتصادي من مجرد عمليات تهريب محدودة إلى التحول نحو الإنتاج شبه الصناعي على نطاق واسع، وذلك من خلال تورط شبكات دولية استغلت حال الفراغ الأمني لتوطين هذه الصناعة المدمرة داخل الأراضي السودانية، ومن ثم بدأت أموال المخدرات تتغلغل لاحقاً في ما يعرف بالاقتصاد الموازي، فهل أصبحت تلك الأموال جزءاً من اقتصاد الظل ومصدراً بديلاً لتمويل الحرب في السودان؟
تغذية الحرب
حذر تقرير حديث بعنوان “المخدرات في السودان.. اقتصاد غير مشروع يغذي الحرب”، أعده مرصد الشفافية والسياسات في السودان، من أن هذا الاقتصاد الأسود أصبح أحد الروافد الأساسية لتغذية استمرار الحرب بالبلاد، مشدداً على ضرورة تعزيز التعاون الإقليمي لتفكيك طرق التهريب، ودعم الأجهزة المختصة في السودان لمنع اندماج البلاد بصورة أعمق في أسواق المخدرات العالمية.
ولفت المتخصصون بمرصد الشفافية إلى أن انتشار إنتاج المخدرات يفاقم التحديات الأمنية ويزيد من معدلات الفساد، مؤكدين أن منطقة البحر الأحمر أصبحت محوراً استراتيجياً للتهريب البحري نحو أسواق الخليج، بتورط شبكات دولية استغلت حال الفراغ الأمني لتوطين هذه الصناعة داخل الأراضي السودانية.
وكشف التقرير عن تحول خطر في خريطة الأنشطة غير المشروعة، إذ أصبح السودان مركزاً ناشئاً لإنتاج وتهريب المخدرات الاصطناعية، وعلى رأسها الكبتاغون والمواد الشبيهة بالميثامفيتامين، مما يعني أن البلاد تحولت منذ اندلاع الحرب الراهنة في 2023 من مجرد معبر للتهريب إلى منصة كبرى للتصنيع نتيجة ضعف قبضة الرقابة الحكومية وتشتت السلطة، مشدداً على ضرورة تعزيز التعاون الإقليمي لتفكيك طرق التهريب، ودعم أجهزة الجمارك وإنفاذ القانون السودانية لمنع اندماج البلاد بصورة أعمق في أسواق المخدرات العالمية.
ولفت التقرير إلى ظهور مؤشرات مقلقة حول توسع هذه الصناعة داخل البلاد، بعد ضبط ثلاثة معامل لإنتاج الكبتاغون، وارتفاع القدرة الإنتاجية من 7.200 حبة في 2023 إلى نحو 100 ألف حبة في الساعة ببعض المصانع في 2025، فضلاً ضخامة الوارد من الخارج عبر التهريب، إذ جرى ضبط نحو نصف طن من المخدرات المهربة جنوب ولاية البحر الأحمر خلال الأسابيع القليلة الماضية.
وأشار التقرير إلى أن العلاقة بين المخدرات والحروب ليست جديدة في التاريخ المعاصر، وقد ارتبطت تجارة المخدرات بتمويل عدد من النزاعات المسلحة، أبرزها حرب أفغانستان التي ارتبطت بزراعة الأفيون، مبيناً أن هذه المواد تستخدم وسط المقاتلين لزيادة اليقظة وتقليل الإحساس بالجوع والإرهاق أثناء القتال، على النمط نفسه الذي سبق رصده في حروب أخرى، مع تأثر كبير لفئتي الشباب والنازحين بصورة مباشرة بتعاطي المواد المخدرة.

ضبط نصف طن
خلال الأسابيع الماضية أعلنت السلطات السودانية واحدة من أكبر الضبطيات على ساحل البحر الأحمر بمدينة بورتسودان في الآونة الأخيرة، وهي عبارة عن نصف طن من المخدرات تشمل 384 كيلوغراماً من مخدر الآيس، بجانب 27 كيلوغراماً من الهيروين، و42 كيساً من مادة سائلة مخدرة، وكذلك 15 كيس قات.
وأوضح رئيس الوزراء الانتقالي كامل إدريس، خلال زيارته لموقع الضبطية، أن كميات المخدرات الكبيرة التي ضبطت تشكل تهديداً مباشراً للأمن الوطني، وتؤثر سلباً في النسيج الاجتماعي والاقتصادي للسودان، ولا تقل خطورة عن الاعتداءات العسكرية، مطالباً بضرورة تطبيق أقصى العقوبات على المتورطين في هذه الجرائم الخطرة.
ودعا إدريس منسوبي القوات البحرية، وجهاز الاستخبارات العامة، وقوات مكافحة المخدرات، إضافة إلى العاملين المدنيين والعسكريين في سواحل البحر الأحمر، إلى الحفاظ على أعلى مستويات اليقظة والحذر في مكافحة تهريب المخدرات.
من جانبه، اتهم قائد منطقة البحر الأحمر العسكرية الفريق الركن محجوب بشرى ميليشيات “الدعم السريع” المتمردة بالوقوف وراء مثل تلك الضبطيات بسبب نشاطها في تهريب المخدرات، بهدف جمع المال لتمويل أنشطتها الإجرامية من ناحية، وتدمير الشباب من ناحية أخرى.
في السياق، يشير المتخصص في الاقتصاد عبدالملك نعمة الله إلى أن أموال المخدرات في السودان تغلغلت داخل الاقتصاد الموازي عبر شراء الذهب والعقارات والتجارة، مستفيدة من بيئة الحرب وضعف قدرات الدولة، من دون أن تصبح اقتصاداً رسمياً، فقد وقعت تشوهات اقتصادية يصعب فيها الفصل بين ما هو مشروع وما هو غير مشروع، وأخطر ما في تلك الأموال أنها تسهم في تغذية الصراع واستمرار الحرب، إذ تنفق في تمويل العمليات العسكرية وشراء أسلحة خفيفة وثقيلة من السوق السوداء، بجانب دفع رواتب المقاتلين وتجنيد عناصر جديدة وبخاصة وسط الشباب والعاطلين.
مسارات خفية وشبكات معقدة
ويلفت نعمة الله إلى هنالك اندماجاً غير معلن أو مباشر لأموال المخدرات في الاقتصاد الحرب بالسودان، وذلك عبر مسارات وشبكات غير رسمية خفية ومعقدة، لا سيما بعد أن وجدت تلك الأموال السوداء بيئة حاضنة وملائمة في اقتصاد الحرب، في ظل الانهيار الذي حدث للجهاز المصرفي، والتدهور الذي ضرب موارد ومؤسسات الدولة خلال الأعوام الثلاثة الماضية من الحرب.
ويضيف “مع تراجع دور الدولة الرقابي وظهور اقتصادات موازية عقب اندلاع الحرب، توسعت شبكات تهريب الذهب والمخدرات والسلاح وحتى البشر، وباتت من أهم مصادر السيولة النقدية السريعة، مع محاولات نجح بعضها في ضخ أموال شبكات المخدرات كجزء من تمويل العمليات العسكرية، إذ يجري خلط عائدات المخدرات بشراء ذهب من التعدين الأهلي ثم تهريبه أو تصديره، في واحدة من أهم بوابات تبييض تلك الأموال”.
كذلك يلاحظ الاقتصادي أن هناك مساعي كبيرة إلى إدخال المليارات من العملة المحلية أو الأجنبية والذهب المنهوبة من البنوك وخزائن الشركات ومنازل المواطنين في سوق العقارات والأراضي في مناطق ومدن عدة كوسيلة آمنة لتخزين الأموال، مما يفسر الارتفاع الكبير في الأسعار ببعض المناطق بصورة غير منطقية.
ويردف “العامل والمدخل المهم هو السوق الموازية للعملة، إذ يجري استخدام السوق السوداء للعملات لغسل تلك الأموال بتحويلها إلى دولار ثم إعادة ضخها في السوق المحلية، وغالباً ما يختلط تمويل وأرباح الشركات الصغيرة، وأحياناً تجارة السلع، مع رأس المال غير المشروع، مما يجعل من الصعب تتبعها”.
ويستطرد “بعد تحوله إلى ممر عبور بين غرب أفريقيا والشرق الأوسط، حيث أسواق الاستهلاك الأوسع للكوكايين وحبوب الكبتاغون عبر البحر الأحمر، أصبحت هذه الشبكات تضخ أموالاً ضخمة يعاد استثمارها محلياً، وقد لعبت بعض المجموعات المسلحة دوراً واضحاً في تسهيل حركة المخدرات وإنتاجها بالاعتماد على اقتصاد غير رسمي في مناطق النزاع، وتتعاون في ذلك مع شبكات إقليمية ودولية تنشط في دارفور عبر الحدود مع ليبيا وتشاد، حيث تعمل على حماية قوافل وتأمين ممرات وخطوط التهريب”.
ويمثل انتشار التصنيع المحلي داخلياً، وفق نعمة الله، تحولاً أخطر ومؤشراً على بداية تحول السودان إلى دولة منتجة، وعلى رغم انقطاع الإنتاج في الخرطوم والجزيرة بعد طرد قوات “الدعم السريع” منها، فإن النشاط انتقل إلى مواقع أخرى في غرب السودان داخل مناطق خارجة عن سيطرة الحكومة بدأت تظهر فيها اقتصادات مخدرات محلية مرتبطة بالقتال، مما يعتبر أحد أخطر آثار الحرب طويلة المدى على المجتمع السوداني.




