
في فضاء الشعر السوداني المعاصر، يطلّ اسم محمد نجيب محمد علي متألقًا كأحد أبرز الأصوات الشعرية التي حملت تجربة فريدة، جمعت بين الفكر والفلسفة، والوجد الإنساني، وبين الحداثة والانتماء العميق للتراث السوداني.
شاعرًا للجمال والحب المفرط، صاغ الشعر بمهارة وصدق، وجعل من لغته نافذة تطل على العالم، ومن تجربة الحياة مصدر إلهام دائم.
ولد نجيب عام 1953 في مدينة أرقو شمال السودان، وسط بيئة قاسية وأصيلة، شكّلت حاضنته الأولى للشعر والحياة، إذ كانت الطبيعة السودانية وما تحمله من أنهار وبساتين وجبال، وكذلك عاداتها الشعبية والإنسانية، جزءًا لا يتجزأ من وعيه الشعري. منذ صغره، كان الطفل نجيب مفتونًا بالكلمة واللون والحركة، يكتب ويبتكر، ويجرّب كل أشكال التعبير عن الذات، حتى جاء أول ديوانه (تعاويذ على شرفات الليل) وهو طالب بالمرحلة الثانوية، معلنًا بداية رحلة شاعرية استثنائية.
تلقى نجيب تعليمه الجامعي في كلية الدراسات الفلسفية، جامعة القاهرة فرع الخرطوم، حيث تأثّر عميقًا بالفلسفة الغربية والعربية، وأثّر ذلك في شعره الذي يجمع بين التأمل العميق والوجدان الصافي. كانت قراءة الفلسفة بالنسبة له ممارسة حياتية وليست مجرد مادة دراسية، إذ ساعدته على صياغة نصوصه بما يعكس وعيه بالعالم من حوله وقدرته على النظر في الصراعات الداخلية والخارجية للإنسان.

جرأة وتجريب
تميّزت مسيرة نجيب الشعرية بالجرأة والتجريب المستمر. فهو شاعر لا يقف عند حدود المدرسة الواحدة، بل يقتحم عوالم الشعر العمودي، والتفعيلة، والنثر، والتدوير، متنقلًا بين الأساليب بحرية، ليخلق نصوصًا تحمل إيقاع الحياة وفوضاها، لكنها دائمًا مرتبة في عمقها.
ويرى نجيب أن “قصيدة التفعيلة بوسعها أن تحمل كل فوضى هذا العالم وترتبها، ولكل قصيدة لحن يجري في دمها”. كما يؤكّد أن “إيقاع القصيدة جزء أصيل منها، وإن غاب مات نصفها وأكثر، فالقصيدة تولد مع الإيقاع واللحن والهمسات والوشوشة”.
دواوينه، مثل (ضد الإحباط)، (دم العاصفة)، (نداء الأجنحة)، و(أناشيد الأسئلة)، تظهر شاعرًا يغوص في النفس البشرية، في الحب والغضب والأمل والخوف، ويتحدّث إلى الإنسان العربي في قلبه ووجدانه، مستخدمًا لغة شجيّة متجدّدة وقريبة من المتلقّي، لكنها في الوقت ذاته فلسفية وعميقة. بالنسبة له، أسئلة القصيدة جزء لا ينفصل عن الواقع والحياة اليومية، وكل سؤال يقود إلى سؤال آخر، وهذه الحياة كلها أسئلة لن تتوقف حتى يغادرها ملك الموت.
الشعر الغنائي
تجربة نجيب في الشعر الغنائي السوداني أسهمت بعمق، فقد كانت أغنية (بتذكرك) مع الراحل أحمد جاويش إحدى المحطات التي أطلقت صوته على الجمهور، لتجمع بين الشعر والفن، بين الكلمة واللحن، مؤرخة لحضور شاعر استطاع أن يجمع بين الأدب والموسيقى.

وقد توالت أغنياته التي صاغها أو كتب كلماتها، لتصبح جزءًا من الذاكرة الفنية والثقافية السودانية، مثل (حلم الصبا) و(مع السلامة). ويرى نجيب أنه من جيل مغامر يرفض الحواجز ويحاول دائمًا القفز فوق الأسوار وتسلّق سنام أشواكها من أجل الوصول إلى الضوء الذي لم يبلغه الشعراء من قبل، ويبحث عن الحرف والإيقاع الذي نسيه الكلام ولم يقربه لسان أو سنان.
إلى جانب الشعر، تميّز نجيب بعطاءٍ وافر في الصحافة والثقافة، إذ عمل رئيس تحرير لمواقع وصحف ومجلات عربية، منها موقع (كليك تو برس)، و(مجلة الإذاعة والتلفزيون)، والعديد من الصحف والمجلات المحلية والعربية، وقدّم حوارات ثقافية مع كتاب ومبدعين من السودان والعالم العربي، موثقًا المشهد الأدبي برؤية نقدية واعية. ومن خلال هذه الجهود، استطاع أن يقدّم جسرًا بين التجربة الشعرية والنقدية وبين النصوص الأدبية والقضايا الثقافية الكبرى.
جوائز رفيعة
حاز نجيب على جائزة الطيب صالح العالمية للشعر عن ديوانه (أناشيد الأسئلة)، والجائزة الأولى لمسابقة الكتاب الأفارقة عن (نداء الأجنحة). ويرى نجيب أن “الجوائز الشعرية تفتح نوافذ للصوت الشعري، وتتيح الوصول إلى جمهور أوسع، وتضيء النصوص التي لم تولد بعد، وتحفز الشاعر للعمل على المستقبل والسلام والعافية”. كما تُرجمت أعماله إلى الإنجليزية والفرنسية والإسبانية، ما أعطاه حضورًا عالميًا ومكّنه من الوصول إلى جمهور واسع خارج حدود السودان.




