تقارير
اتساع رقعة القتال وموجات نزوح جديدة وجهود مصرية لوقف الحرب وحماية وحدة الدولة
تقرير - رشا رمزي

تكشف حركة النزوح المتزايدة في غرب دارفور عن عمق الاضطراب الأمني الذي تعيشه المنطقة، في ظل اشتداد المعارك وتبدل السيطرة بين الأطراف المتحاربة، ما يدفع آلاف المدنيين إلى الهروب باتجاه الحدود مع تشاد بحثًا عن ملاذ آمن. وتأتي هذه التطورات في سياق ميداني معقد، تتداخل فيه المواجهات العسكرية مع تصاعد الانتهاكات الأمنية واتساع دائرة القلق الإقليمي والدولي من استمرار الحرب.
وفي هذا الإطار، أفادت ثلاثة مصادر محلية في دارفور، يوم الأربعاء، بأن مجموعات كبيرة من سكان بلدة كلبس بولاية غرب دارفور والمناطق المحيطة بها غادرت إلى الأراضي التشادية، نتيجة التوترات المستمرة والاشتباكات العنيفة القريبة من الحدود. وتشهد مناطق جرجيرة وعد الخير ومستورة مواجهات عنيفة وتبادلاً للسيطرة بين الجيش السوداني والقوة المشتركة من جهة، وقوات الدعم السريع وحلفائها من جهة أخرى، ما فاقم المخاوف بين السكان المحليين ودفعهم إلى النزوح الجماعي.
وفي السياق نفسه، صرح هرون خاطر، وهو قيادي أهلي في ولاية شمال دارفور، أن أعدادًا من سكان كلبس عبروا الحدود نحو منطقتي كيراي وكلبس داخل تشاد، موضحًا أن معظم الفارين من الرعاة القادمين من مناطق جنوب وجنوب شرق الطينة. ولم يستبعد خاطر وصول موجات إضافية من النازحين من ولايتي غرب وشمال دارفور خلال الأيام المقبلة، في حال استمرار القتال واتساع رقعته.
وتعزز هذه المعطيات ما أكده مصدر عسكري من الجيش السوداني في مدينة الطينة، إذ أشار إلى أن المعارك الأخيرة دفعت أعدادًا من السكان المحليين إلى اللجوء إلى تشاد، موضحًا أن المواجهات تتواصل منذ يومين في وادي ضرابة ووادي باردي ووادي أبو عرديب، إلى جانب معارك كر وفر في بلدة جرجيرة. وفي المقابل، أعلنت القوة المشتركة للحركات المسلحة، في بيان يوم الثلاثاء، أنها بسطت سيطرتها على بلدة جرجيرة والمناطق المجاورة، واستولت على عشرين سيارة ودمرت خمس عشرة أخرى، إضافة إلى إلقاء القبض على عدد من الجنود، فيما لم تصدر قوات الدعم السريع أي بيان رسمي بشأن هذه التطورات في شمال وغرب دارفور.
ويأتي ذلك في وقت لم يتبقَ فيه تحت سيطرة الجيش السوداني والقوة المشتركة في إقليم دارفور سوى بلدتي كرنوي وأمبرو ومدينة الطينة الحدودية، بعد أن أحكمت قوات الدعم السريع والمجموعات المتحالفة معها سيطرتها على معظم مدن الإقليم، وكان آخرها مدينة الفاشر في أكتوبر الماضي، ما يعكس تحولًا ميدانيًا واسعًا في ميزان السيطرة داخل الإقليم.

وبالتوازي مع ما يجري في دارفور، تشهد ولاية غرب كردفان تصاعدًا لافتًا في الحوادث الأمنية المرتبطة بالاعتداءات المسلحة. فقد أفادت مصادر محلية في محلية النهود بارتفاع عدد هذه الحوادث خلال فترة عشرة أيام، مع تسجيل أربع حالات وفاة في سياق عمليات نهب. وذكرت المصادر أن مدينة النهود شهدت منذ بداية يناير حادثتين داخل الأحياء السكنية، إحداهما في حي العشر عقب اقتحام مجموعة مسلحة منزل أحد السكان، بينما عُثر على شخص آخر من حي الأزهر متوفى بعد ثلاثة أيام من اختفائه داخل منطقة أسواق عدن.
ولم تقتصر الاعتداءات على المناطق الحضرية، إذ سجلت مناطق فوجا التابعة للنهود حادثتين إضافيتين، حيث عُثر على أحد الرعاة متوفى عقب تعرضه لهجوم ليلي، فيما تعرض شخص آخر يعمل في تربية الماشية لاعتداء أثناء عودته إلى منزله، ما يعكس هشاشة الوضع الأمني واتساع دائرة العنف خارج نطاق المواجهات العسكرية المباشرة.
وعلى الصعيد العسكري، أعلن الجيش السوداني تنفيذ عملية عسكرية في منطقة الكويك بمحور جنوب كردفان، قال إنها أسفرت عن تدمير قوة تابعة لقوات الدعم السريع بعد مواجهات مباشرة، ومقتل وإصابة عدد من عناصرها، إضافة إلى تدمير آليات قتالية. وأكد الجيش أن عملياته تتواصل في عدة محاور بوتيرة وصفها بالثابتة، في حين لم يصدر أي تعليق من قوات الدعم السريع بشأن ما جرى، رغم أنها كانت قد أعلنت في أواخر ديسمبر سيطرتها على الكويك، متحدثة حينها عن إلحاق خسائر كبيرة بالجيش والاستيلاء على معدات عسكرية.
وتندرج هذه التطورات ضمن تصاعد أوسع في العمليات القتالية بولايات كردفان ودارفور خلال الأسابيع الأخيرة، مع تبادل الهجمات بين الجيش السوداني والقوات المتحالفة معه من جهة، وقوات تحالف «تأسيس» بقيادة الدعم السريع من جهة أخرى. وقد نفذ الجيش الأسبوع الماضي ضربات جوية وبرية قال إنها استهدفت مواقع للدعم السريع في دارفور وكردفان، إضافة إلى طرق إمداد يُعتقد أنها تمتد نحو جنوب ليبيا، في وقت تواصل فيه قوات الدعم السريع تعزيز وجودها في المثلث الحدودي مع ليبيا بالولاية الشمالية.
وفي ظل هذا التصعيد الميداني، برز القلق الإقليمي والدولي، لا سيما من جانب مصر، التي أكدت تصريحاتها الصادرة من القاهرة خطورة استمرار الحرب وتداعياتها. فقد قال وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، خلال الاجتماع الخامس للآلية التشاورية الذي عُقد في العاصمة المصرية يوم الأربعاء، إن الأزمة السودانية تتطلب جهدًا دوليًا وإقليميًا مشتركًا لوقف العنف، محذرًا من تأثيرات المرحلة الحالية على أمن دول الجوار ومنطقة القرن الأفريقي والبحر الأحمر.




