في خضم الدمار المستعر واليأس المتفاقم الذي يضرب السودان، يأتي بيان نقابة الصحفيين السودانيين بمناسبة ذكرى ثورة ديسمبر، ليس مجرد تذكير بعهدٍ مضى، بل كـبيان شامل يجسد أشواق وطموحات الشعب السوداني نحو إنهاء الكابوس الحالي والعودة إلى مسار الكرامة والحرية. هذا البيان، الذي صدر بتاريخ 13 ديسمبر 2025، هو في جوهره خارطة طريق مدنية ترفض العسكرة وتطالب باستعادة الحلم الثوري.
ذكرنا البيان بالدماء الغالية التي أُريقت من أجل “العدل والحرية والسلام”، ليضعها مباشرة في مواجهة “الظروف الكارثية” الحالية.
إنه يعكس بصدق الشعور الشعبي بأن أرواح شهداء ديسمبر وأحلامهم تتعرض لخطر الضياع والتلاشي بسبب اتساع رقعة الحرب، وتفاقم الأزمة الإنسانية، وتفشي انتهاكات حقوق الإنسان – لا سيما بعد التطورات المؤلمة في الفاشر وكردفان.
طموح السودانيين الأول الذي يتجسد في هذا البيان هو النجاة من خطر فناء الدولة الذي يهدد “وجود السودان نفسه”. لقد كانت ثورة ديسمبر هي رمز “دولة المواطنة المتساوية” و”المدنية والديمقراطية”، وهذا ما يسعى التحالف لإنقاذه من براثن الحرب والانقسام.
تصر النقابة على أن “الحل العسكري هو طريق مسدود”، وأن استمراره لن ينتج سوى “مزيد من الخراب والضحايا”. هذه العبارة هي خلاصة التجربة المريرة التي عاشها السودانيون طوال عامين من الصراع المسلح، حيث بات اليقين راسخاً بأن السلاح لن يجلب الاستقرار.
يلخص البيان أقصى طموح شعبي عاجل في نقطة واحدة: “وقف إطلاق النار فوراً وبلا شروط، وبدء عملية سياسية شاملة وجادة.”
إنها صرخة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من الأرواح والبنية التحتية ولعل النقطة الأكثر تمثيلاً لأشواق الشارع السوداني المحبط هي المطالبة الموجهة للقوى المدنية. فالبيان يدعو القوى الديمقراطية إلى “الخروج من حالة التشرذم والتراجع، وبتجاوز الخلافات الثانوية”.
هذا المطلب يعبر عن الأمل الكبير والمعقود على المدنيين لاستعادة زمام المبادرة وقيادة حركة ضغط سياسية عارمة. إن السودانيين يتطلعون إلى قوة مدنية موحدة تستطيع أن تقدم بديلاً حقيقياً للسلطة العسكرية، وأن تترجم تضحيات ثورة ديسمبر إلى برنامج سياسي متماسك.
البيان لم يغفل البعد الإنساني، فمطالبته بمضاعفة الجهود الإنسانية عبر “كل الممرات الآمنة” هي صوت الملايين من النازحين الذين يعانون الجوع ونقص الدواء. كما أنه يحمل رسالة قوية للقوى الإقليمية والدولية، مناشداً إياها أن “تكف عن تأجيج الصراع وتغذيته” وتتحول إلى داعم للسلام، محترمة بذلك “إرادة الشعب السوداني في تقرير مصيره”.
البيان وجه نداءً للصحفيين لحمل رسالة “صوت الضمير والصمود”، ومقاومة خطاب الكراهية، مؤكداً في قسمه الأخير على العهد المقطوع بأن يبقى النضال مستمراً من أجل “حلم الدولة المدنية الديمقراطية”.
إن بيان نقابة الصحفيين السودانيين هو أكثر من مجرد إحياء لذكرى، إنه وثيقة حية تعبر عن روح ثورة ديسمبر التي لا تموت، وعن إرادة شعب لم يتوقف عن الحلم بالسلام والحرية والعدالة، رغم كل التحديات.