تشهد الساحة السودانية فصلاً جديداً من فصول التجاذب بين السلطة القائمة والقوى المدنية، يتجاوز في أبعاده مجرد الإجراءات الإدارية ليلامس جوهر الصراع على شكل الدولة ومستقبلها.
وما حادثة رفض تجديد جواز سفر القيادي في تحالف “صمود” شريف محمد عثمان بالدوحة، وبالتزامن معها إخطار أسرة عضو المجلس السيادي السابق محمد الفكي سليمان بإخلاء منزلهم في أم روابة، إلا شواهد حية على تعقيدات المشهد السوداني، حيث تتقاطع قرارات القيادة العليا مع ممارسات “الدولة العميقة” التي لا تزال تسيطر على مفاصل حيوية في مؤسسات الدولة.
إن التناقض الصارخ بين توجيهات رئيس مجلس السيادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان، التي قضت بتبسيط استخراج الأوراق الثبوتية للمواطنين حتى لمن تواجههم بلاغات جنائية، وبين ما حدث مع شريف محمد عثمان في سفارة الدوحة، يكشف عن وجود “حائط صد” داخل المؤسسات.
هذا التعنت في تنفيذ القرارات السيادية يشير بوضوح إلى أن عناصر المؤتمر الوطني والنظام السابق، المتغلغلة في الأجهزة البيروقراطية والأمنية، تعمل كجهة موازية تملك القدرة على تعطيل التوجيهات الرسمية.
هذه العناصر لا تستهدف فقط تشريد قيادات “صمود” أو الانتقام من رموز ثورة ديسمبر، بل تسعى بالأساس إلى إرسال رسالة مفادها أنها هي المتحكم الحقيقي في دفة الأمور، وأن أي تقارب نحو السلام أو انفراجة سياسية هو تهديد مباشر لوجودها ومصالحها.
ويبرز التحدي الحقيقي أمام البرهان في مدى قدرته على المضي قدماً في مسار السلام وتفكيك هذه المجموعات “المخترقة” التي ترى في استمرار الحرب وسيلة وحيدة للبقاء.
فالتخوف الذي يبديه منسوبو النظام السابق من التحركات الدولية الرامية لإنهاء القتال، يقابله زخم شعبي متصاعد عبر عنه السودانيون في المهجر وفي العواصم الأفريقية بإحياء ذكرى ثورة ديسمبر وليالي الغناء الوطني.
هذا الحراك المدني الذي رفع شعار “لا للحرب” أعاد الروح لثوابت الثورة، ووضع مؤسسات الدولة أمام اختبار أخلاقي وقانوني، فبينما يطالب الشعب بالسلام والحرية، تصر جيوب النظام القديم على استخدام سلاح “الأوراق الثبوتية” و”مصادرة العقارات” كأدوات للضغط السياسي والابتزاز.
إن هذه الخطوات التصعيدية ضد الرموز المدنية، مثل محمد الفكي وشريف محمد عثمان، هي في حقيقتها معركة كسر عظم بين منطق “دولة المؤسسات” ومنطق “دولة التمكين”.
والنجاح في تجاوز هذه المرحلة يتوقف على قدرة القيادة الحالية على تنقية المؤسسات من العناصر التي تضع العراقيل أمام التحول الديمقراطي والحل السلمي، لأن استمرار هذه الازدواجية في القرار يعطل أي جهد دولي أو محلي لإيقاف نزيف الدم.
يظل الوعي الشعبي والتمسك بمبادئ ثورة ديسمبر هو الضمانة الوحيدة لمواجهة محاولات الالتفاف على حقوق المواطنة الأساسية.
إن استغلال ظروف الحرب لتصفية الحسابات السياسية لن يزيد الأزمة إلا تعقيداً، وتحدي البرهان الحقيقي ليس في إصدار القرارات، بل في فرض هيبة الدولة على مراكز القوى التي تخشى السلام، وضمان أن تظل وثائق الهوية وحقوق الملكية بمنأى عن التسييس والانتقام.