في الوقت الذي تحيي فيه شعوب الأرض اليوم العالمي للمعلم، يقف المعلم السوداني شامخاً رغم الجراح، يقود معركة الكرامة المعيشية في ظل ظروف استثنائية لم تسبقها سوابق. فبينما يطل وزير المالية الدكتور جبريل إبراهيم مرتدياً “لامة الحرب” ليعلن عن موازنة العام الجديد، تتكشف هوة سحيقة بين الوعود الحكومية “البراقة” وبين واقع يزداد قتامة.
لقد جاء ظهور الوزير بالبزة العسكرية وهو يبشر بتحسين الأجور وتوظيف الشباب، ليؤكد أن الأولوية تظل لاستمرار الحرب التي دمرت المستشفيات وشردت الملايين، في محاولة صريحة للتمسك بالسلطة مهما كانت التكلفة البشرية والاقتصادية باهظة.
لقد أغفل خطاب الموازنة المؤشرات الحقيقية للاقتصاد الكلي، فلم يأتِ ذكر للناتج القومي الإجمالي أو تدهور العملة، بل ركز على جباية الضرائب الباهظة التي أصبحت الرئة الوحيدة للدولة، وسط شكاوى متصاعدة من التجار حول المحسوبية التي تضرب أروقة وزارة المالية.
وفي هذا السياق، جاء رد فعل لجنة المعلمين السودانيين ليعيد الأمور إلى نصابها، حيث عبرت عن استغرابها واستنكارها البالغ لتصريحات الوزير بشأن زيادة الأجور بصورة تدريجية عبر المجلس الأعلى للأجور.
ووصفت اللجنة هذه الخطوة بأنها “خداع لا يليق” وسابقة تاريخية من الاستهتار، معتبرة انعقاد المجلس بعد إجازة الميزانية بمثابة “جسٍّ بعد الذبح” ومجرد محاولة لذر الرماد في العيون.
إن المسار الذي رسمته لجنة المعلمين هو وحده الكفيل بانتشال العاملين من قاع الفقر، حيث أكدت اللجنة بوضوح أن أي إصلاح حقيقي يبدأ برفع الحد الأدنى للأجور من 12 ألف جنيه إلى 260 ألف جنيه، لمواكبة الانهيار الاقتصادي وتكلفة المعيشة الحقيقية.
وقد فند المتحدث باسم اللجنة، سامي الباقر، ادعاءات الوزارة، واصفاً التعديلات التي تضمنتها الموازنة بـ “الهزيلة”، ومشيراً إلى أن دعوة المجلس الأعلى للأجور بعد إجازة الموازنة تعكس حالة من الارتباك وفقدان البوصلة داخل الوزارة، ما يجعل هذا الاجتماع مجرد “بالونة اختبار” لا قيمة لها في تشريع أي زيادة حقيقية تلامس احتياجات المعلم.
كما لم تنسَ اللجنة في خضم نضالها المطلبي ملف المتأخرات المسكوت عنه، حيث طالبت بضرورة صرف رواتب العاملين التي تراكمت لمدة بلغت 14 شهراً في بعض الولايات ووصلت إلى 20 شهراً في ولايات أخرى، شاملة كافة البدلات والعلاوات التي توقفت منذ اندلاع الحرب.
إن الإشارة إلى أن بدل الوجبة الحالي الذي يبلغ 6 آلاف جنيه لا يكفي لوجبة واحدة في يوم واحد، هو خير دليل على زيف عبارات “البشريات” و”الزيادات المتدرجة” التي تستخدمها الحكومة للالتفاف على الواقع المعيشي المنهار.
في اليوم العالمي للمعلم، تتجلى نضالات لجنة المعلمين كمنارة للصمود في وجه سياسات نهب موارد الشعب تحت غطاء شعارات الحرب. إنها معركة من أجل الحقوق التي لا تسقط بالتقادم، ورفض قاطع لسياسة التخدير التي تمارسها وزارة المالية.
سيبقى المعلم السوداني متمسكاً بمطالبه العادلة، ولن تنطلي عليه الوعود الفضفاضة ما لم تتحول إلى أرقام حقيقية تضمن له حياة كريمة تليق برسالته السامية وسط أنقاض الحرب وويلات النزوح.