في مشهد يقترب من الكوميديا السوداء، حاولت مجموعة من الشباب الأفارقة التسلل إلى أوروبا متنكرين في زيّ قردة. خبرٌ انتشر سريعًا على وسائل التواصل الاجتماعي محاطًا بسخرية عابرة، لكن ما إن يخفت الضحك، حتى تنكشف حقيقة أكثر قسوة: هؤلاء لم يهربوا من أوطانهم فحسب، بل اضطروا إلى الهروب من صورتهم الإنسانية ذاتها.
أن يختار الإنسان عبور الحدود متخفّيًا في جلد حيوان، فذلك ليس طرافة ولا حيلة مبتكرة، بل علامة قصوى على اليأس. إنها لحظة انهيار للمعنى، حين تتحول الكرامة إلى عبء، ويغدو التخلي عن الوجه الآدمي شرطًا محتملًا للنجاة من الجوع والحرب.
لم يعد البحر الأبيض المتوسط مجرد معبر محفوف بالمخاطر، بل صار أكبر مقبرة مفتوحة في العالم. آلاف الغرقى المجهولين ابتلعهم البحر بصمت، وتحولوا إلى أرقام باردة في تقارير دولية، فيما تستمر الحروب في أفريقيا والمنطقة العربية بلا أفق سياسي أو مساءلة أخلاقية.
كل موجة هجرة جديدة ليست سوى شهادة إضافية على فشل الدولة الوطنية، وعلى عجز النظام الدولي عن معالجة جذور الأزمات.
غالبية هؤلاء الفارين يأتون من دول تحكمها أنظمة عسكرية أو سلطوية، تقوم شرعيتها على الحرب الدائمة، وتعيد إنتاج بقائها عبر اقتصاد الجوع والخوف. هذه الحكومات لا تطرد شعوبها علنًا، لكنها تهيّئ واقعًا يجعل الرحيل أقل قسوة من البقاء، حتى تصبح الهجرة سياسة غير معلنة، وصمام تنفيس اجتماعي لأنظمة عاجزة عن الإصلاح.
غير أن المشهد لا يكتمل من دون الطرف الآخر في المعادلة. فالغرْب الذي يغلق حدوده في وجه المهاجرين، هو ذاته الذي يدعم كثيرًا من هذه الأنظمة بالسلاح والشرعية السياسية، ويتغاضى عن انتهاكاتها ما دامت منسجمة مع مصالحه الأمنية. هكذا تُدار المأساة: دعم للاستبداد من جهة، وأسلاك شائكة في وجه ضحاياه من جهة أخرى.
السخرية التي أحاطت بحادثة “القردة البشرية” ليست إلا قناعًا هشًّا لعجز جماعي عن مواجهة الحقيقة. فالمشهد ليس مضحكًا بقدر ما هو مهين للضمير الإنساني.
حين يُدفع الإنسان إلى التخلي عن ملامحه كي يعبر، فذلك يعني أن العالم فقد بوصلته الأخلاقية.
وهنا يصبح السؤال الأكثر إلحاحًا، كم حربًا أخرى نحتاج قبل أن ندرك أن المشكلة سياسية في جوهرها، وأن الحل لا يكون ببناء الجدران، بل بإنهاء أنظمة الحرب والجوع؟.