لم يعد خافياً على أحد أن مفوضية العون الإنساني في السودان قد خرجت من عباءة “العمل الطوعي” لتستقر في جيب “المحاصصة السياسية”، متنقلة كقطعة شطرنج بين حركات الكفاح المسلح؛ من حركة العدل والمساواة إلى الحركة الشعبية (جناح عقار).
وفي ظل قيادة سلوى بنية، تحولت هذه المؤسسة السيادية من “رئة” يتنفس عبرها المنكوبون، إلى “مقصلة” بيروقراطية تخنق ما تبقى من روح في جسد الإغاثة المنهك.
إن تسليم ملف إنساني حساس لحركات مسلحة هي في الأصل “طرف” في النزاع، يعد بحد ذاته خطيئة مؤسسية كبرى.
مفوضية العون الإنساني تحت قيادة “بنية” لم تعد جهة تنسيقية، بل تحولت إلى “إقطاعية حركية” تُدار بعقلية الغنيمة لا بعقلية الدولة.
غياب الرؤية الاستراتيجية هنا ليس مجرد “فشل إداري”، بل هو نتيجة طبيعية لإقحام كوادر تفتقر للمهنية الإنسانية في تعقيدات العمل الميداني الدولي، مما جعل القرارات مجرد ردود أفعال ارتجالية تفتقر لأبسط قواعد التحليل والتنبؤ.
تتحدث التقارير عن “تسييس” فج للعمل الإنساني، حيث تُمنح التصاريح وتُمنع بناءً على الولاءات أو المصالح السياسية الضيقة.
إن تحويل الإجراءات الإدارية إلى “سياط” لمعاقبة المنظمات التي لا تتماشى مع هوى القيادة، هو ضرب في صميم المبادئ العالمية (الحياد، الاستقلالية، وعدم التحيز). لقد أصبحت المفوضية في عهدها الحالي “حاجزاً أمنياً” بزيّ مدني، تضع المتاريس أمام المنظمات الدولية والمحلية، مما قوض ثقة المانحين وجعل المواطن السوداني هو الضحية الوحيدة لهذا الصلف الإداري.
تحت مسميات فضفاضة كـ”السيادة الوطنية”، مارست قيادة المفوضية فوضى بيروقراطية غير مسبوقة. تعقيد تسجيل المنظمات، وتأخير تصاريح التحرك الميداني، ليست مجرد “إجراءات روتينية”، بل هي عملية “تعطيل متعمد” ترفع تكلفة العمليات الإنسانية وتستنزف زمن الاستجابة الطارئة.
هذا النهج لم يؤدِّ لضبط العمل كما يُدّعى، بل خلق بيئة طاردة للفاعلين الدوليين، وأضعف المنظمات الوطنية التي كان ينبغي أن تكون العمود الفقري للإغاثة.
بدلاً من تمكين الفاعلين المحليين وفق مبادئ “Localization” العالمية، تعاملت المفوضية مع المنظمات الوطنية بريبة وشك، وفرضت عليها وصاية إدارية خانقة. هذا التوجس يعكس غياب الشفافية في اتخاذ القرار، حيث تُدار الملفات في غرف مغلقة بعيداً عن الرقابة والمساءلة.
إن التعتيم على المعلومات والتنسيق المشوه مع وكالات الأمم المتحدة وضع السودان في خانة “الدولة المعرقلة” لجهود الإغاثة، بدلاً من الدولة المستسهلة لها.
إن الكارثة في مفوضية العون الإنسانية ليست في شخص “سلوى بنية” فحسب، بل في “النموذج الفاشل” الذي يرى في مأساة السودانيين فرصة لتمكين المحاسيب وتعزيز النفوذ الحزبي. الاستمرار في هذا المسار هو مقامرة بحياة الملايين.