أخبار

أطلقوا سراح معمر!!

أشرف عبدالعزيز

شهدت الأيام الماضية انطلاق حملة نداءات واسعة من قبل صحفيين وإعلاميين سودانيين تطالب بالإفراج الفوري عن الصحفي معمر إبراهيم، الذي اعتُقل من قبل قوات الدعم السريع في مدينة الفاشر بولاية شمال دارفور بتاريخ 26 أكتوبر 2025.

لا تُعد قضية معمر إبراهيم مجرد حادثة اعتقال فردية، بل هي مؤشر خطير على تدهور حالة حرية الصحافة وحقوق التعبير في مناطق النزاع بالسودان، وتضع التزامات الأطراف الفاعلة تجاه حماية الإعلاميين على المحك، خاصة في ظل أزمة إنسانية متفاقمة.

اعتقل معمر إبراهيم عقب سيطرة قوات الدعم السريع على مقرّ الفرقة السادسة مشاة في الفاشر، وقد ظهر في مقاطع مصورة لاحقاً، مما أكد احتجازه ونقله إلى مدينة نيالا.

كان آخر منشور له يصف الوضع في الفاشر بأنه “بالغ الخطورة”، وهي شهادة مهنية سابقة لاعتقاله مباشرة. هذا التوقيت والظهور يوحيان بأن اعتقاله مرتبط بشكل مباشر بطبيعة تغطيته للأحداث في منطقة صراع حساسة.

من جانبها، أدانت نقابة الصحفيين السودانيين اعتقاله بشدة، محملةً الدعم السريع المسؤولية الكاملة عن سلامته، ومُنددة بالمقاطع المصورة التي ظهر فيها أثناء التحقيق، معتبرة إياها “انتهاكاً صارخاً لحقوق الصحفيين”.

وقد تجاوزت الإدانات الإطار المحلي لتشمل منظمات دولية بارزة، حيث ادان الاتحاد الدولي للصحفيين (IFJ) اعتقاله، واعتبرته لجنة حماية الصحفيين (CPJ) مثالاً صارخاً على المخاطر التي تواجه الصحفيين في دارفور، فيما أكدت منظمات حقوقية أن الهدف من الاعتقال هو إسكات الأصوات المستقلة التي تنقل حقيقة الأوضاع في الفاشر.

على الرغم من هذه الإدانات الدولية والمحلية، فإن هناك تبريرات مزعومة تُصاغ من قِبل “حكومة التأسيس” التي تزعم بأن معمر تبنى “خطاً تحريرياً يجافي الحقيقة” وأنه كان “بيدقاً” للقوى المشتركة وأسهم في “التحريض ونشر خطاب الكراهية”.

ومع ذلك، فإن هذه التبريرات تفتقر للمصداقية القانونية، وتتضارب بشكل صارخ مع مزاعم “حكومة التأسيس” بالدفاع عن الديمقراطية وحقوق المواطنة وحرية التعبير التي يفترض أن الصحافة هي أول المستفيدين منها.

إن وجود صحفي في زنازين الاعتقال بسبب عمله يضع كل ادعاءات “التأسيس” في الدفاع عن الديمقراطية في محك الاختبار الحقيقي.

إذا كانت “حكومة التأسيس” تسعى بالفعل لـ “محو آثار انتهاكات معركة الفاشر” ورسم صورة مختلفة للأوضاع، كما حاولت أن تعكس زيارات المسؤولين لديها (مثل وزير الصحة والناطق الرسمي د.علاء الدين نقد) لمناطق النازحين، وتغطيات بعض الإعلاميين، فإن السؤال الجوهري يظل: لماذا التخوف من عودة معمر إبراهيم لمواصلة التغطية؟ إن منع صحفي من ممارسة عمله هو اعتراف ضمني بأن الأوضاع ليست “تمام” كما يتم تصويرها، وأن هناك ما يُخشى من كشفه.

إن الاختبار الحقيقي لصدق هذه المؤسسة هو ليس فقط إطلاق سراحه، بل السماح له بالعودة الفورية للعمل في الفاشر، مما يبعث برسالة طمأنة للإعلام حول حقه في النقد والممارسة المهنية الحرة.

إن قضية الصحفي معمر إبراهيم هي قضية حرية الصحافة برمتها في السودان. الاعتقال والاحتجاز التعسفي للصحفيين في مناطق النزاع، مهما كانت التبريرات، يمثل انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي الإنساني ولقواعد حماية الإعلاميين.

يظل الضغط المحلي والدولي أساسياً لضمان إطلاق سراحه الفوري وغير المشروط. والأهم من ذلك، يقع على عاتق الأطراف المسيطرة، بما في ذلك “حكومة التأسيس” والناطق الرسمي باسمها، مسؤولية واضحة للتدخل الفوري لإطلاق سراحه والسماح له بالعودة لممارسة عمله.

هذه الخطوة وحدها هي التي يمكن أن تُقدم دليلاً ملموساً على احترامها لحرية التعبير وحقوق المواطنة، بدلاً من مجرد الشعارات.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: النسخ ممنوع