تكتسب التصريحات الأخيرة لمسعد بولس، مستشار الرئيس الأمريكي، وزناً استراتيجياً يتجاوز مجرد التمنيات السياسية ليضعنا أمام ملامح تسوية دولية ناضجة بدأت تتشكل معالمها في الأفق السوداني، حيث يرى تيار المتفائلين بفرص الحل أن هذه الرؤية تستند إلى كواليس مجهودات دبلوماسية مكثفة استمرت لثلاثة أشهر من التواصل المباشر وغير المنقطع مع أطراف النزاع، وهو ما يمنح طرح بولس صفة الخارطة الإجرائية القابلة للتنفيذ لا مجرد التوقعات النظرية، إذ أن الحديث عن موافقة مبدئية من الجيش والدعم السريع على هدنة وشيكة وانسحابات من مناطق ساخنة كمدينة الفاشر لصالح آليات أممية يشير إلى أن المجتمع الدولي قد انتقل فعلياً من مرحلة المناشدات الأخلاقية إلى مرحلة صياغة الحلول التكتيكية على الأرض، مدعوماً بظهير إقليمي قوي تمثل في الحضور السعودي النوعي بجانب واشنطن.
إن التحول الجوهري الذي يستبشر به هذا التيار يتمثل في نقل الملف السوداني من مظلة الرباعية المحدودة إلى أروقة مجلس الأمن الدولي، هو ما يمثل ضمانة كبرى لجدية هذه التسوية لأن إضفاء الصبغة الأممية على خارطة الطريق يمنحها قوة إنفاذ قانونية ويخرجها من حيز التجاذبات الإقليمية الضيقة، كما أن الميزة التنافسية والجديدة في هذه الخارطة هي ربطها المباشر بمجلس السلام الأمريكي برئاسة ترامب، مما يضفي عليها زخماً سياسياً هائلاً يجعل من الصعب على أي طرف التملص من التزاماته أمام إدارة تتبنى نهج الحسم الدبلوماسي، وهو ما انعكس بوضوح في تبدل لغة القيادة العسكرية السودانية التي بدأت تميل نحو خطاب السلام المشروط بالكرامة، مما يثبت أن الضغوط الدولية والمساعي التي يقودها بولس قد بدأت تؤتي أكلها في تفكيك مواقف التصلب وفتح الباب أمام مسار يبدأ بإنقاذ الإنسان عبر الممرات الآمنة وينتهي بترتيبات سياسية شاملة.
وفي مقابل هذا المشهد المتكامل، يبرز تيار مناهض للهدنة يبني قراءته على التشكيك في فاعلية الضغوط الدولية، محاولاً تصوير مساعي بولس كنوع من اللغة الوصائية أو مجرد توقعات مبنية على افتراضات لم تتحقق سابقاً، إلا أن هذا المنطق المتشائم يبدو تفنيده ميسوراً عند النظر إلى المتغيرات الكبرى في طبيعة الرافعة الدولية الحالية، فمحاولة القياس على تجارب الفشل السابقة تسقط أمام حقيقة أن الأدوات الأمريكية والأممية المقترحة الآن تمتلك أنياباً سياسية لم تكن متوفرة في الماضي، كما أن الرهان على الانقسامات داخل المحاور الإقليمية كذريعة لإفشال الحل يظل رهاناً ضعيفاً، لأن نقل الملف للمظلة الأممية ومجلس السلام الأمريكي قد صُمم خصيصاً لتجاوز هذه الخلافات وتوحيد الإرادة الدولية خلف مسار إلزامي واحد، وبالتالي فإن التشكيك في واقعية هذه الخطوات لا يصمد أمام الحقائق التي تؤكد أن السودان أمام فرصة تاريخية صاغتها دبلوماسية هادئة ونفس طويل.
إن خارطة مسعد بولس ليست مجرد مقترح عابر، بل هي انعكاس لتوافق دولي جديد يسعى لنقل السودان من حالة الاستنزاف إلى مربع الاستقرار، وباعتمادها على مجلس الأمن ومجلس السلام الأمريكي برئاسة ترامب، فإنها تضع حداً لسياسة المبادرات المتعددة وتؤسس لمرحلة تنفيذية حاسمة، مما يجعلها الوصفة الأكثر دقة وواقعية لإنهاء مأساة الحرب واستعادة الدولة السودانية لسيادتها وعافيتها بعيداً عن صراعات المحاور وتصلب المواقف.