
يتحرك المشهد السوداني على أكثر من مستوى في وقت واحد، بين محاولات داخلية لإعادة ضبط الأمن في العاصمة، ومعارك ميدانية معقدة في جنوب كردفان، وتصعيد خارجي ينقل الحرب إلى فضاء إقليمي أوسع، مع ما يحمله ذلك من تداعيات سياسية وإنسانية متشابكة.
في الخرطوم، عقد قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان اجتماعاً أمنياً لبحث وضع القوات النظامية وتقييم الإجراءات المتخذة لحماية المناطق الحيوية، في ظل تطورات ميدانية ما تزال تلقي بظلالها على العاصمة. وناقشت اللجنة الأمنية مستوى الانتشار داخل المحليات المختلفة، مع التركيز على تأمين المرافق الخدمية وتنظيم الحركة في المواقع المدنية، إلى جانب إعادة توزيع نقاط التفتيش وحماية المداخل الرئيسية للعاصمة، بما يسمح بسرعة التعامل مع أي طارئ محتمل.
وشدد البرهان خلال الاجتماع على أهمية تبادل المعلومات بين الجيش والشرطة والأجهزة الاستخباراتية، ورفع الجاهزية في المناطق التي شهدت اضطرابات خلال الفترة الماضية، مع التأكيد على اتخاذ إجراءات وقائية تحمي المدنيين وتلتزم بالمعايير القانونية أثناء العمليات. كما تضمنت التوجيهات تكثيف حملات جمع السلاح غير المرخص، ومتابعة الأنشطة المرتبطة بالعنف، وتفعيل فرق المراقبة الميدانية لمراجعة نتائج الخطط الأمنية، بالتوازي مع تعزيز التواصل مع السكان لشرح الإجراءات وضمان تعاونهم، في محاولة لاستعادة الثقة في مؤسسات الدولة وتهيئة الأجواء لعودة الخدمات الأساسية.
وبينما تسعى القيادة العسكرية إلى تثبيت الوضع في العاصمة، يظل جنوب كردفان مسرحاً لمعارك دقيقة ومعلومات متضاربة، خاصة فيما يتعلق بمدينة كادقلي. فمصادر عسكرية نفت دقة الأنباء المتداولة حول فك الحصار عن المدينة، مؤكدة أن القوات المسلحة ما تزال تعمل على استعادة السيطرة على المناطق المحيطة بها. وفي هذا السياق، أوضح القائد في القوة المشتركة بدر الدين يوسف، المتواجد في الخطوط الأمامية، أن الحديث عن دخول الجيش إلى كادقلي لا يعكس الوضع الميداني بدقة، رغم استمرار العمليات واحتمال فك الحصار خلال فترة قريبة وفق تقديره.
وتشير المعطيات الميدانية إلى تقدم للقوات نحو المدينة وإزالة عدد من مواقع تمركز القوات المناوئة، إلا أن خطوط التماس ما تزال تحول دون الوصول المباشر. وقد شهدت مناطق قريبة من الجبال المحيطة إطلاق نار كثيف، ما دفع بعض السكان للاعتقاد بوصول قوات استطلاع إلى مشارف المدينة، قبل أن توضّح المصادر أن هذه الطلائع قادمة من منطقة الكويك، حيث تتمركز وحدات للجيش منذ فترة وتمكنت من صد هجمات متكررة خلال الأشهر الماضية.

في المقابل، تحدثت مصادر أخرى عن تقدم قوات قادمة من الدلنج إلى مناطق السماسم والكرقل والديشول، الواقعة في منتصف الطريق بين الدلنج وكادقلي، مقابل انتشار قوات مناوئة في مناطق كيكا جرو والتقاطع. وتبرز أهمية هذه التحركات في أن الطريق بين الكويك وكادقلي، الممتد لنحو خمسين كيلومتراً، يُعد سالكاً وفق المعطيات الحالية، ما يفتح الباب أمام سيناريوهات ميدانية متغيرة.
وكانت تقارير سابقة قد أشارت إلى إعادة فتح الطريق المؤدي إلى كادقلي بعد معارك استمرت أكثر من ثلاث ساعات في محيط الكويك، انتهت بانسحاب القوات التي كانت تفرض الطوق على المدينة. وفي 26 يناير، أعلنت القوات المسلحة وصول وحدات تابعة لها إلى مدينة الدلنج بعد تحركها من هبيلا، وهو ما أسهم في فتح الطريق الرابط بين الدلنج وكادقلي مروراً بأبوكرشولة والرهد. ولاحقاً، أفادت مصادر ميدانية بوصول وحدات من الجيش إلى كادقلي مساء الاثنين عقب اشتباكات مماثلة، ما أنهى عزلة استمرت سنوات وأثقلت كاهل المدينة بأزمات غذائية ودوائية خانقة.
ويرى مراقبون أن أي تقدم مستدام نحو كادقلي لا يقتصر أثره على المعادلة العسكرية، بل يمتد إلى تحسين الوضع الإنساني عبر تسهيل وصول الإمدادات وعودة الحركة التجارية، فضلاً عن تمكين المرضى والطلاب من التنقل في منطقة أنهكتها سنوات من الصراع وتدهور الخدمات الأساسية.
غير أن التطورات الداخلية لا يمكن فصلها عن البعد الخارجي المتصاعد للحرب. إذ كشف تحقيق موسع لصحيفة نيويورك تايمز عن انتقال الصراع إلى مستوى إقليمي أكثر تعقيداً، عبر استخدام قواعد خارجية لتنفيذ ضربات جوية داخل السودان. وبحسب التحقيق، انطلقت خلال الأشهر الستة الماضية طائرات مسيّرة تركية متطورة من طراز بيرقدار أقنجي من قاعدة جوية سرية في الصحراء الغربية بمصر، ونفذت ضربات بعيدة المدى استهدفت مقاتلي قوات الدعم السريع وقوافل إمدادها، اعتماداً على صور أقمار صناعية وسجلات طيران ومقاطع مصورة.




