مقالات

زفة ألوان 

يس علي يس

ذات يوم.. وكعادتنا أنا وشقيقي الأكبر “محمد علي يس” أو محمد طمعة.. دخلنا متأخرين إلى المنزل.. هو عائد من مشاويره .. وأنا عائد من فراغ الأمكنة.. كانت الساعة قد تجاوزت الحادية عشرة ليلاا.. ومع ذلك كنا نظن أننا “رجعنا البيت بدري”.. ثم جلسنا سويا لتناول وجبة العشاء في المطبخ..لم يكن هنالك مساحة كبيرة للحديث والحوار، ففي صمت الليل تموج الكثير من الهواجس والأفكار عن ما حدث الليلة وما سيحدث “بكرة”،وهي فرضية كافية للتحليق في الصمت أو الإنزواء في صخب التفكير، وطنين اللحظة، وهاجس النهايات، في تلك الفترة كانت موجة صراع الاسلاميين والشيوعيين في قمتها، وكثير من الشباب راقت لهم تلك الموجة، وكانت علامة الثقافة حينذاك أن “تحوم الأرض” وأنت تتأبط كتابا لديستوفسكي أو تسمع مصطفى وبوب مارلي، ثم تكتب كلاما غريبا وغير مفهوم تبدأه بامتشاق الحسام وتنهيه باحتساء القهوة مع فرض قصة “الحبيبة الوطن” على الناس..

“إنت كدة مثقفاتي من العيار الثقيل”.

ما كان يدور في ذهن محمد طمعة حينذاك هو الانسياق خلف المدرسة “التقدمية”.. وهو رجل متعلم ومتمرس وخبير.. يريد أن ينقل تجربته لأخيه الأصغر ليجنبه المزالق والهوي.. تحدث بعدها عميقا وباقتضاب جدا.. ولكنه أوصل رسالته تلك كما ينبغي لها أن تصل.

وفي الواقع الحقيقي..

كان اليساريون يرون أنني أقرب إليهم من خلال التفكير ومن خلال الانفتاح على الثقافات، وعشرات القصائد لعشرات الشعراء من لدن الشعر الجاهلي وحتى أمجد حمزة ده.. وذاكرة محتشدة بكثير من المجلات من ميكي وحتى مجلة الدوحة القطرية والعربي مرورا بالدستور والمجلة وآخر ساعة وأكتوبر، باختصار لم يكن هناك كتاب يمر علي دون أن أقرأ محتواه وأصنفه “براي” بالجيد أو “كلام فارغ” بغض النظر عن كاتبه.

هذه الجرأة هي التي غرست في أذهان اليساريين أنني يمكن أن أكون منهم بقليل من الاجتهاد، وهو ما لم يتحقق لهم، فقد كانت الحوارات معهم تنتهي بفشلهم في الإقناع، لأننا نناقش التفاصيل المملة.

الإسلاميون بدورهم كانوا يرون أنني قريب منهم جدا، كون أنني من أسرة محافظة، وارتبطت كثيرا بالمسجد في الحي، ولا أذيع سرا إن قلت إنهم الأقرب لتفكيري ولفطرتي، لذلك لم أتردد لحظة في االسير في طريقهم لحين من الدهر، ولعل أسماء الأصدقاء هنا كثيرة وهم أسماء معروفة في الحركة الإسلامية، ودعونا نذكر منهم الشهداء مختار سليمان، محمد محجوب النيمة، سفيان فيصل عثمان، والشهيد عبد الباسط، وكثير منهم إحياء الآن وأسماء كبيرة ومعروفة، واستمرت علاقتي بالحركة الإسلامية لحوالي ثلاث أو أربع سنوات، كان لي فيها وزني وكلمتي ومواقفي، ثم انتهت مطلع العام 92. لاختلافات كثيرة بيننا، ومع ذلك ظل احترامي للحركة الإسلامية قائما، وعلاقاتي ممتدة معهم حتى لحظة كتابة هذه السطور، ومنذ ذلك الحين لم أنتم لأي حزب سياسي أو حركة فكرية، أو أي من الأجسام المتحورة جينيا، فقد اخترت بعدها أن أكون أنا، من واقع مسئولية صحفية تحتم عليك النظر للأشياء بعيدا عن الانتماءات، لأنك تحمل مسئولية مجتمع كامل.

لم أفكر يوما أن أنضم للصوفية أو أتصوف، لم أفكر حتى في الانحياز لجماعة أنصار السنة، فلدي الكثير من الملاحظات عنها وهي اختلافات جوهرية وليس مجرد وجهة نظر عابرة، لذلك أنا بعيد جدا عن هؤلاء وأولئك..!!.

كثيرون يحاولون اختصار حواراتنا ووجهات نظرنا معهم بعبارة “يا كوز يا وسخان”، فقط لأنه يحاول أن يقصي رأيا لم يعجبه كتبناه هنا، وطالما أنك تكتب فليكن شعارك الأبرز والأكبر هو أنك لا تكتب “ما يعجب المستمعين” أنت تكتب من خلال تجربتك في الحياة ، ومن خلال معرفتك بهذا وذاك، ومن خلال قراءتك للأحداث، تكتب ولا أحد ملزم بما تقول، ولا ما تفعل، ولكن عليك أن تكتب وتقول وتنبه ثم بعدها “أي زول بي جازو”.

تذكرت واقعة العشاء تلك مع شقيقي محمد طمعة قبل أكثر من ثلاثين عاما، وجلست أفكر في هذه التفاصيل وكيف سارت الأمور بعد جلسة العشاء،وأين أنا الآن..؟؟

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: النسخ ممنوع